مقالات

ما يلعب بلوت

الجزيرة الثقافية 21 / 2 / 2012

وعينا دوره عبر استفهامٍ عابرٍ طرحناه على أنفسنا، أو ربما سمعناه فرددناه، وكنا طلاباً في التعليم (المعهدي العام) وقد درسونا في (تقويم البلدان) – وهو المصطلحُ الالتفافيُّّّّّّ الدال على علم (الجغرافيا) سيئ السمعة إذ ذاك – أن قارة أفريقية، سمراءُ أو سوداء؛ فما بال شيخنا يسِمُها الخضراء؟ دار في أذهاننا استقاءً من ذواتنا، أو نقلاً عن غيرنا، أنها صفةُ إنصافٍ لقارةٍ ظلمها التأريخ واستعبدتها السياسةُ ولم ينتصف لها إعلامٌ أو أَعلام، وربما كانت هذه الخضراءُ مبتدأ اتجاه الشيخ التطوافي الذي انتهى به مرتاداً معظم دول العالم، ويذكر صاحبُكم أنه سأله – ذاتَ غفلةٍ – عن البلدان التي زارها؛ فأجابه الشيخ بهدوئه وتهذيبه المشهودين: لعلك تسألني عن تلك التي لم أزرها، إذ يسهل حصرها، وقد تواضع كعادته فلم يشأ أن يقول: إنه زار كلَّ بلاد الدنيا أو يكاد، وفيها جزرٌ وأقاليمُ وولاياتٌ وبحيرات، وليست عواصم ومدناً مليونيةً، كما نفعل نحن السائحين الباحثين عن الظل والشاطئ والجمال.

** لم يسعَ للواجهة كي نعرف أنه أولُ من ألف في الأمثال العامية، ولم يعنه أن ندرك أن تآليفه فاقت 200 مؤلف تصدر بها المؤلفين السعوديين والخليجيين ومعظم العرب، ولا تراه مستكثراً أخباره أو ساعياً لنشرها، وعلى نقيض ذلك، فلا نكاد نفقد كتاباته التي يُطري فيها مؤلّفاً أو مؤلَّفا، وإذ لم يسعَ إلى الواجهة أو الوجاهة فقد سعت إليه وسعدت به.

** يملك الوقت للإنجاز؛ فلا تُهمه الحواشي، ويسكنه التواضع؛ فلا يعنيه البريق، وتعجب – حين تغشى مجلسه – لما يملكه من حسن إنصات؛ فكأنه المريدُ لا الشيخ، ولن يفاجأ زائروه حين يرونه واقفاً بين فترةٍ وأخرى، ليحادث من شاء مخاطبته عن قرب، مستكثراً جلوسه بحضرة تلاميذ له؛ وفيهم من هم في عمر أولاده من محبيه ومرتادي مجلسه الإثنيني العامر.

** يذكر أنه جرى الحديثُ عن علاَّمتنا – في مجلس صديقه الدكتور عبدالعزيز الخويطر – وأجمع الحاضرون على قاسمٍ مشتركٍ بينهما وهو الإنتاجُ الغزيرُ ذو القيمة، على رغم الأعباء الرسميةِ التي حملاها طويلاً حتى في شيخوختيهما – فبرر أبو محمدٍ ذلك بأنه وصَفِيَّه أبا ناصر لا يعرفان لعبة «البلوت»، ولعله اختصر بتعليقه الطريف واحداً من أسرار نجاحهما؛ فقد حددا هدفيهما وسارا إليه من دون أن يضيعا وقتاً يزجيه كثيرون في استرخاءٍ يطول فيعبر الزمن ويُنسى العابرون ويمكث العاملون.

** شيخنا وحبيبنا ورمزنا المضيءُ أكبر من كلماتٍ مزجاةٍ لا تصطفُّ بجوار قامته إلا لتقول له: إنها وإننا نعلو به.

* العبودي ذاكرةُ رحلةٍ وعنوانُ مرحلة.

د/ إبراهيم التركي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى