خريطة الموقع السبت 24 يونيو 2017م
الوحشيات لأبي تمام  «^»  في مجلس الشيخ محمد العبودي الأسبوعي  «^»  العبودي والمشوح ثنائية العطاء والوفاء  «^»  ثلوثية «المشوح» تحتفي بـ«ابن بطوطة» النجدي   «^»  ثلوثية «المشوح» تحتفي بـ«ابن بطوطة» النجدي   «^»  زار 3000 مدينة حول العالم.. وتقاضى 40 ريالا كأول مكافأة له .... الشيخ محمد العبودي: المسلمون بحاجة إلى فقه الأقليات القطبية   «^»  العلامة العبودي بعيون بناته  «^»  العبودي يروي مواقف فقهاء عاصرهم  «^»  رسالة عن «برازيليات» العبودي  «^»  الندوة العلمية الكبرى عن العلاَّمة العبودي تختتم أعمالها في جامعة القاضي عياض جديد الأخبار

حفلات ومناسبات سابقة

تكريم الشيخ العبودي في اثنينية خوجة
الأحد 31/03/1991 م - الموافق 16-9-1411 هـ في تمام الساعة 1:00 صباحاً الــــــوقت
أثنينية خوجو المكــــــان
السعودية الـــــدولـــــة
الرياض الــمــديــنــة
تكريم الشيخ في اثنينية خوجة مناسبتها
التــفــاصــيــل
حفل تكريم الشيخ محمد بن ناصر العبودي
في 21/ 7/ 1406هـ الموافق 31/ 3/ 1986م
لمحات من حياة المحتفى به
(1) الاسم محمد بن ناصر العبودي.
(2) ولد بمدينة (بُرَيْدَة) بالقصيم 1345هـ.
(3) تلقى تعليمه الأوَّلي بالكتَّاب، ثم بالمسجد على أيدي كبار العلماء، ومنهم: الشيخ عبد الله بن حُمَيْد، والشيخ عمر بن سليم.
(4) عُيِّن مديرًا للمدرسة المنصورية في (بُرَيْدَة).
(5) في عام 1372هـ عُيِّن مديرًا للمعهد العلمي في (بُرَيْدَة).
(6) وفي عام 1380هـ عُيِّن مديرًا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنوَّرة.
(7) في عام 1394هـ انتقل من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوَّرة إلى الأمانة العامَّة للدعوة الإسلامية.
(8) قام بعدة رحلات إلى إفريقية وشرق آسيا وأمريكا في سبيل الدعوة الإسلامية.

(9) له عدة مؤلَّفات منها:
أ - «معجم بلاد القصيم» (ستة مجلَّدات).
ب- «نفحات من السكينة القرآنية».
جـ- «مدغشقر بلاد المسلمين».
د- «رحلة إلى سيلان».
هـ- «مأثورات شعبية».
و- «الأمثال العامية في نجد».
ز- «الثقلاء».
كلمة الافتتاح
افتتح الأستاذ حسين نَجَّار الأمسية بالكلمة الآتية:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
نرحِّب بضيفنا في هذه الأمسية السعيدة. وهذا اللقاء في الواقع هو من اللقاءات النادرة؛ لأنها لقاءات تعوَّدنا فيها أن نلتقي بأشخاص يعيشون بيننا دائمًا قريبين مِنَّا. والشيخ محمد بن ناصر العبودي، الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي، هو قريب مِنَّا بقلبه وبوجدانه وبروحه، لكنه يحمل دائمًا عصا التسيار. وعصاه لا يضعها؛ لأنه يحملها في سبيل الله، الجهاد الذي يقوم به في هذا الوقت. نحن المسلمين أحوج ما نكون إلى مثل هذا العمل الدؤوب، الذي لا يَعرف الكلل، ويحتسب كل ذلك في سبيل الله.
نرحِّب به ضيفًا في هذه الإثنينية، وباسم المحتفي الشيخ عبد المقصود خوجه أرحب به أجمل ترحيب، وأرجو من خلال هذه اللقاءات، ومن خلال هذه الدقائق التي سنعيشها معًا، أن نقف على كثير من الصعاب، وكثير من المَشاقِّ، وكثير أيضًا من المفاجآت التي عاشها في أسفاره، متنقلاً بين دولة وأخرى، وبين مجتمع وآخر، على تباين المعتقدات والنزعات.
ونحن نعلم أن الهدف الذي يقوم به هدف سام ونبيل، وهو بيننا نرحب به، ونرجو قبل أن يبدأ الرحلة في شرح ما طلبناه منه، أن نأخذ أيضًا وقفة قصيرة نتعرف فيها خلفيته العلمية والدراسية؛ لأنها ستكون طريقنا إلى المعرفة حول ما صادف من مهام يقوم بها، أمد الله في عمره.
فمرحبًا باسمكم به، ونرجو له أمسية سعيدة.
كلمة المحتفى به الأستاذ محمد بن ناصر العبودي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونُسلِّم على سيدنا ومولانا وحبيبنا نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله الذي قدَّر هذا الاجتماع المبارك في هذه الساعة الطيبة، مع هؤلاء الصفوة من الإخوة من أصحاب المعالي وأصحاب الفضيلة، وممن هم فوق الألقاب. ثم نشكر لأخينا الوجيه النبيل الأخ الكريم الأستاذ عبد المقصود خوجه، الذي هيأ هذا اللقاء، الذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله لقاءً مباركًا، وأن يجعله لقاءً مفيدًا لي؛ لأنني -كأي فرد من الإخوة المسلمين- محتاج إلى الاجتماع بإخوتي، وتبادل النصائح، ولا سيَّما وأنني أشغل وظيفةً من الوظائف العامَّة التي لها علاقة بالإخوة المسلمين في جميع أقطار العالم، ولذلك أجدني محتاجًا إلى نصيحة إخواني كل بقدر ما يرى أنه مفيد ولازم، ونصائحهم جميعًا -إن شاء الله- مفيدة بإذن الله.
ثم أشكر لأخينا المذيع النابغ الذي تكرَّم فقدَّمني بكلمات أنا في الحقيقة لا أستحقها، ولكن مرجع ذلك إلى حسن ظنه بي. وإنني على استعداد لكي أتكلم فيما ترون أنه مناسب. وإنني مع الأخ الكريم؛ لأنني هنا بعيد عن هذا المكان، ولكنني كما تفضل قريب جدًّا منه، أتابع هذه الندوات الطيبة المباركة، وأستفيد مما يبلغني عما يدور فيها.
إنني كما ذكر أخونا الكريم الذي طلب مني سيرتي الذاتية.. الواقع أنني أعتقد أنه ليس في سيرتي الذاتية ما يَستحق الذِّكر، ولكن إذا أراد أخونا ومضيفنا الكبير الكريم أن أتكلَّم على سيرتي الذاتية، بصفتي فردًا من أفراد هذا الشَّعب، فإن أي شخص يجب أن يَعرف أو يسمع فردًا من أفراد الشَّعب؛ لأنه يكون أنموذجًا للآخرين.
اسمي محمد بن ناصر العبودي، وُلِدْتُ في مدينة (بُرَيْدَة) بالقصيم عام 1345هـ، وفي مدينة (بُرَيْدَة) دخلتُ أحد الكَتاتيب. ولا أريد أن أشرح لكم حال هذا الكُتَّاب، ولا ما كان يدور فيه، ليس لأن هذا لا يَستحق أن يُذكَر، فأنا أعتقد أنه يَستحق أن يُذكَر؛ لأنه يمكننا بالمقارنة بين حالة ذلك الكُتَّاب، وما وصلت إليه حالة المدارس عندنا -ولله الحمد- أن نَعرف أي فرق عظيم قد طرأ على حياتنا منذ ذلك الوقت إلى الآن، لكنني أخشى أن يتسبب الحديث أو التبسُّط في الحديث في ضياع الحديث، أو في عدم الحديث عن شيء أهم منه.
ذلك الكُتَّاب هو بيت من الطين، خال من الفَرْش، مُكوَّن من غرفتين، ليس فيه من المدرسين سوى واحد، هو (المُطوَّع). والمُطوَّع هذا شخصية عجيبة غريبة، حتى البُسطاء يتهمونه بالبَساطة، وقد يَخرج بعضهم به وبالحديث عن بساطته إلى حَدّ التغفيل. المُطوَّع هذا كان مُغفَّلاً بالفعل، ولكنه أحيانًا يتغافل أيضًا، لماذا؟ لأنه يبحث عن شيء يريد أن يحصل منه على رضا أولياء أمور الطلبة، إن صحَّ التعبير أنهم طلبة.
كُنَّا في ذلك الكُتَّاب نجلس على الأرض كما قلتُ، ولا نَعرف شيئًا اسمه فَرْش فيه، ولم يكن المدرس أو (المُطوَّع) يُعلِّمنا هو بنفسه، بل كان يَنتدِب الكبير من الطلاَّب ليُعلِّم مَن هو أصغر منه، ومَن هو أصغر منه يُعلِّم مَن هو أصغر منه، أي يُعلِّم المُستجدَّ الذي طرأ حديثًا، ثم هو يُشرِف على الجميع، ليس بعقله إنما بعصاه. وكلنا كُنَّا نخاف من عصاه أكثر مما نخاف من الأشياء الأخرى.

وكانت تَحدث منافرة بين المدرِّس (المُطوَّع)، وبعض ذوي الحظِّ من الطلاَّب الذين أهاليهم على شيء من الثراء. فالمُطوَّع يريد أن يُقرِّب هذا الطالب الذي يرجو من ورائه شيئًا دسمًا، والطالب يريد أن يبتعد؛ لأنه لا يريد أن يكون تحت الرقابة الكاملة للمُطوَّع، ويَحدث ما يَحدث من فوضى.
وكما قلتُ: لن أتكلَّم على الكُتَّاب، وإنما بعد الكُتَّاب درَسنا في المساجد، وأذكر أن أول مَن بدأت القراءة عليه هو شيخنا الشيخ صالح بن كريديس رحمه الله، وهو رجلٌ كان يقول عنه بعضهم: إنه أكبر من المُطوَّع ودون الشيخ. وهو في الواقع أكبر من المُطوَّع بلا شك؛ لأنه يحفظ القرآن الكريم، ومُطَّلع على كثير من الأحاديث الشريفة، بل يحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وله يد طُولى في الفقه، وكان محتسبًا أيضًا يجلس لنا في المسجد الذي نصلي فيه، مسجد الحي. أمَّا كونه دون الشيخ، فأنا أعتقد أنه أكبر من كثير من الشيوخ العامرين علمًا وعملاً.
كان هذا عام 1359هـ، وكان كما قلتُ: لا يأخذ أجرًا، بخلاف المُطوَّع الذي في الكُتَّاب، الذي كان كثير من هَمِّه يَصرفه إلى ما قد يحصل عليه، أمَّا هذا فكان محتسبًا لله سبحانه وتعالى، بل كان يقول: إنكم أنتم الذين تفيدونني، يريد بذلك أننا نقرأ عليه، نطالع له في الكتب، فنحن بذلك نفيده كما قال.
ثم بعد ذلك انتقلت من القراءة على الشيخ صالح بن كريديس في مسجد الحي، إلى طلب العلم على الشيخ عمر بن سليم في المسجد الجامع. والشيخ عمر بن سليم هو قاضي (بُرَيْدَة)، وبمنزلة رئيس قضاة مِنطقة القصيم؛ لأنه لا يُعيَّن قاض في تلك المِنطقة إلا بعد مشورته، وكان مرجعًا للجميع. ولكن لم تَطُل مدة القراءة عليه؛ لأنه توفي -رحمه الله- في آخر عام 1362هـ. ثم بعد ذلك بأشهر قَدِمَ إلى (بُرَيْدَة) الشيخ العلاَّمة عبد الله بن محمد بن حُمَيْد، ولعلَّنا نعرفه، أو لعلَّ أكثرنا يَعرِفه حقَّ المعرفة، فكان قدومه فتحًا لطلاَّب العلم الذين كنت أَعُدُّ نفسي واحدًا منهم في ذلك الوقت، فنظَّم لتعليم الطلاَّب وإفادتهم حلقات منتظمة.. ولا ننسى أنه كان يجلس للطلاَّب من بعد صلاة الفجر حتى قرب طلوع الشمس. ثم ينصرف إلى بيته، ويظل فيه نحو نصف ساعة أو ساعة. ثم يعود ثانية إلى المسجد، فيجلس للطلاَّب إلى انقطاع الضحى. ثم يعود إلى بيته، وبعد صلاة الظهر يجلس للطلاَّب أيضًا، وبعد العصر يعقد درسًا آخر، وبعد المغرب دروسًا أخرى، وهكذا.
وكانت دروسه عامرة، وكانت له طريقة في التدريس هي طريقة المناقشة، بعد أن كانت طريقة العلماء الذين قبله هي الطريقة التي يُسمِّيها طلبة العلم (الإمرار)، بمعنى أن طالب العلم يُمِرُّ بالكتب، أو يُمَرِّرها كما يقولون، ولكن الشيخ لا يُناقشه، ولا يَستفسر منه عمَّا قرأ.
أمَّا شيخنا الشيخ عبد الله بن حُمَيْد -رحمه الله، وجزاه عنَّا خيرًا- فإنه كانت له طريقة حديثة، كان يناقش الطلاَّب، وكان يَستعيد الدروس التي سبق أن ألقاها عليهم، يَستعيدها بعد خمسة دروس أو سبعة دروس أو عشرة دروس، يَستعيد ما سبق أن ألقاه إليهم، ويُناقشهم فيه.
بعد ذلك بفترة عُيِّنتُ مديرًا للمدرسة المنصورية في (بُرَيْدَة)، وكان في ذلك الفرار من القضاء؛ لأنه قد صدر أمر بأنه لا بُدَّ من أن يختار شيخنا الشيخ عبد الله بن حُمَيْد عددًا من طلبة العلم؛ لإرسالهم قضاةً في أماكن نائية، وكُنَّا في ذلك الوقت -بطبيعة الحال- من طلبة العلم الصغار، ولكن المطلوب أن يذهبوا إلى قرى نائية من قرى البادية، أو من القرى التي لا يَستطيب أمثالنا الإقامة فيها؛ لأنه ليس فيها ما في المدن، مع أن مدينة (بُرَيْدَة) في ذلك الوقت، وإن كانت مدينة من حيث عدد السكَّان، فإنه ليس فيها من المرافق ما في المدن الآن.
وكان التعيين في القضاء، أو مباشرة عمل القضاء، عملاً صعبًا ماديًّا ومعنويًّا. بالنسبة إلى صعوبته المادية أمر معروف؛ لأن مَن ينتقل من المدينة إلى قرية قبل نحو 40 سنة، لا يستطيع أن يعيش عيشته التي تعوَّدها، وكلنا نعرف ذلك. وأمَّا المعنوي فإن طلبة العلم في ذلك الوقت كانوا على غاية من الورع، ومن خوف الله سبحانه وتعالى، ومن الخوف من الخطأ أو الزلل.. فكان بعضهم لا يرضى أن يتولى القضاء، حتى ولو كان وراء ذلك مكسب مادي؛ لأنه يخشى ألاَّ يستطيع القيام بهذا الحمل الثقيل، أو يخشى من نَوازع النفس، أو من تأثير الهوى، وهو لا يَقصد ذلك.
فقبلتُ أن أكون مديرًا للمدرسة المنصورية في مدينة (بُرَيْدَة)، وهي المدرسة الثانية التي فتحت فيها في عام 1368هـ. ثم بعد ذلك بخمس سنوات، أي في عام 1372هـ، عُيِّنت مديرًا للمعهد العلمي في مدينة (بُرَيْدَة)، وكان المعهد العلمي -في ذلك الوقت- ثاني معهد علمي أُسِّس في المملكة العربية السعودية، ويَتبع الكُليَّات والمعاهد العلمية؛ إذ كان المعهد العلمي بمكَّة موجودًا قبل ذلك بسنوات، وكان معهد (الرياض) العلمي موجودًا، أمَّا المعهد الثاني في عهد إدارة الكُليَّات والمعاهد العلمية فكان في مدينة (بُرَيْدَة).
وقد لاقى هذا التعيين استحسانًا مني؛ لأن مستوى المعهد أعلى، من الناحية العلمية، من المدرسة الابتدائية، فقد كانت المدرسة المنصورية مدرسة ابتدائية، وكان لَدَينا في المعهد عدد من العلماء، بل ممن يُعَدُّون من المدرسين في مستوى الكُليَّات الجامعية في ذلك الوقت، وبالفعل عُيِّن بعضهم في التدريس في الكُليَّات بعد ذلك، وكان لَدَينا أيضًا في المعهد العلمي سبعة من الأساتذة المصريين، وكان لَدَينا ستة من الأساتذة السعوديين، وأستاذ شنقيطي (موريتاني) واحد، كما كُنَّا نُسمِّيها كما تعلمون (شنقيط) قبل أن تصبح (موريتانيا).
وفي عام 1380هـ، أي بعد أن أمضيتُ في المعهد العلمي ببريدة نحو سبع سنوات ونصف، عُيِّنت مديرًا للجامعة الإسلامية في (المدينة المنوَّرة)، وكانت الجامعة الإسلامية في ذلك الوقت تحت الإنشاء، ومضت أشهر حتى افتُتحت عام 1381هـ، فأصبحت وظيفتي فيها الأمين العام للجامعة الإسلامية، وكان فيها فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن باز هو نائب الرئيس، والرئيس الذي يُعدُّ بمنزلة الرئيس الأعلى، وليس الرئيس العامل، هو الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رئيس القضاة، رحمه الله.
عندما عُيِّنت في الجامعة الإسلامية في (المدينة المنوَّرة) كان هذا بدايةً لمرحلة.. بداية في شعوري وتفكيري لمرحلة مهمة جدًّا، استمرَّت حتى الآن، وهي مرحلة الاتصال بالإخوة المسلمين في خارج المملكة العربية السعودية، فكان المقصود من إنشاء الجامعة الإسلامية في (المدينة المنوَّرة) هو توفير الدراسة الإسلامية لأبناء المسلمين من خارج المملكة العربية السعودية.
عندما كانت الجامعة في طَور الإنشاء في عام 1380هـ، كما أسلفت، قبل أن تُفتتح بنحو خمسة أشهر، تألَّفت لجنة لوضع نظام مؤقت للجامعة، كان فيها: الأستاذ عبد العزيز المُعمَّر، وكان فيها مستشار مصري أظن اسمه: عبد المنعم مصطفى، كان ممثل مصر في هيئة الأمم المتحدة في جنيف، وانتدب مستشارًا قانونيًّا في الديوان الملكي في ذلك الوقت، وكنتُ عضوًا في اللجنة، وكان معنا الشيخ يوسف ياسين رئيس الديوان الملكي في ذلك الوقت، فاختلفت الآراء.. هل يُنصُّ في النظام على أن تكون الجامعة الإسلامية في (المدينة المنوَّرة) مقصورة على أبناء العالم الإسلامي، أم يكون فيها طلاَّب من السعوديين، وطلاَّب من أبناء المسلمين في الخارج.
وجرت في اللجنة مداولات تَطرَّقت إلى أن الطلبة السعوديين، كما نعرف، يوجد لهم في ذلك الوقت كُليَّة للشريعة في (مكَّة المكرَّمة)، وكُليَّة الشريعة في (الرياض).. كانت هناك كُليَّتان للشريعة.
إذن الرأي الذي يقول: أن تكون الجامعة الإسلامية مقصورة على أبناء المسلمين في العالم من خارج المملكة، يقول: إنه يمكن للطلبة السعوديين الاكتفاء بالالتحاق بهاتين الكُليَّتين في (مكَّة المكرَّمـة) و(الرياض)، وتكون الجامعة الإسلامية في المدينة لأبناء المسلمين من الخارج. ثم رُؤي أن يكون الأمر حلاًّ وسطًا، بألاَّ تتجاوز نسبة السعوديين 20 ./.، أو على الأصح الخُمس؛ لأن 20 ./. هذا تعبير يُطلقه عَوام الكُتَّاب، والصحيح أن يقال: الخُمس (1/ 5).. فصدَر النظام المؤقت بهذا الأمر: ألاَّ تزيد نسبة الطلاَّب السعوديين في الجامعة الإسلامية على الـ (1/5). والهدف من وراء هذه المادة هو توفير الدراسة لأبناء المسلمين في الخارج.
كانت مقاعد الجامعة الإسلامية في (المدينة المنوَّرة)، أي مقاعد الطلبة، توزَّع على شكل منح على الإخوة المسلمين المحتاجين في أنحاء العالم، فعند التجربة تبيَّن أننا لا نستطيع أن يكون توزيعنا دقيقًا وصحيحًا وموافقًا للحاجة، بمعنى أن نُقدِّم البلد المحتاج على البلد الأقل حاجة، وليس هنالك بلد إسلامي لا يحتاج إلى التعليم الإسلامي، ولكن هناك بلد أكثر حاجة من بلد آخر. إذن كيف نستطيع أن نحصل على معلومات عن المسلمين في العالم، وبخاصَّة في القارة الإفريقية التي كانت -في ذلك الوقت- هي أعظم ساحة يتصارع فيها الفكر الإسلامي مع نقائه وبساطته، مع الفكر الغربي الذي سلاحه التنصير مع ما زُوِّد به، وما لديه من قوة مادية مالية، ومن قوة عظيمة في كيفية التعامل مع الشعوب الأخرى، ومنها الشعوب الإفريقية؟
نحن في ذلك الوقت المُبكِّر من تاريخ التعاون مع المسلمين وتقديم المساعدة لهم، لم تكن لدينا التجربة في التعامل مع الجمعيات الإسلامية. إذن لا بُدَّ أن تكون لدينا معلومات ميدانية صحيحة موثَّقة مبنية على المشاهدة؛ لأننا وجدنا في ذلك الوقت -مع الأسف الشديد- أننا كُنَّا نعتمد في معرفة أحوال إخوتنا المسلمين في إفريقية على ما يكتبه الأجانب، وفيهم أعداء الإسلام، نحن بطبيعة الحال نأخذ بقوله سبحانه وتعالى: ]وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[ [سورة المائدة: 8] أي ينبغي ألاَّ يُنسينا بُغضنا لقوم ما لهم من محاسن، إذا كانت لـهم محاسن. فالمستعمرون الأوروبيون ومَن سار في ركبهم، كانوا يذهبون إلى تلك الأقطار بآراء مختلفة، بعضهم من أجل التنصير، وبعضهم من أجل حُبِّ المعرفة فقط، فيكتبون ما يكتبون، ويبقى كل شخص منهم متأثرًا بما في ذهنه عندما أراد الكتابة. أمَّا أن يكتب أحد منهم متجردًا، ولغرض أن يُعطي معلومات صحيحة كاملة عن الإخوة المسلمين، فهذا ما لم نجده في ذلك الوقت؛ لذلك رفعنا الأمر إلى صاحب السمو الملكي -في ذلك الوقت- الأمير فيصل، وكان وقتها رئيسًا لمجلس الوزراء ووليًّا للعهد، وشرحنا لـه الأمر، وقلنا: إننا بحاجة إلى الاتصال بإخوتنا المسلمين في إفريقية، ورفعنا أمام سموه الطريقة التي سنقوم بها في سبيل الاتصال بالإخوة المسلمين، ووضعنا عدة أشياء كرؤوس أقلام؛ منها: معرفة الجمعيات الإسلامية العاملة، ومنها معرفة الحركات التي تؤثِّر في الإسلام، والحركات المعادية، والظروف الاقتصادية، والظروف السياسية، والبلاد الأكثر حاجة من البلاد المحتاجة.. فوافق، رحمه الله، بل وشجع على ذلك، حتى إنه أمر لنا بمبلغ من المال لكي نعطيه للإخوة المسلمين هناك مباشرة، ودون كتابة تقارير.
تألَّف وفد من الجامعة الإسلامية في (المدينة المنوَّرة) فذهب إلى إفريقية، وكنت مع ذلك الوفد، وسموني رئيس الوفد، ومعي اثنان من زملائي في الجامعة: أحدهما هو فضيلة الشيخ عمر محمد فَلاَّتة، وهو نِعم الرفيق ونِعم الأخ، جزاه الله عَنَّا خيرًا، والرفيق الثاني هو صاحب الفضيلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري، ولعلكم تعرفونه من العلماء العاملين الثقات، وذلك في عام 1384هـ، أي بعد أن فُتحت الجامعة الإسلامية بثلاث سنين.. قضينا في الأقطار الإفريقية ثلاثة أشهر وسبعة عشر يومًا، كان أول اتصال ميداني لنا مع الإخوة المسلمين في أوطانهم، وكان المبلغ الذي نحمله بمقياس المبالغ لهذا الزمن لم يكن كبيرًا من المال، ولكن كان مفعوله كبيرًا.
أذكر أننا زرنا مدرسة في (مومباسا) ونحن نتفقد مدارس المسلمين، فهذه المدرسة مدرسة إسلامية تديرها أخت من أخواتنا المسلمات، فأعطيناها مئة شلن كيني.. المئة شلن كيني في ذلك الوقت تساوي 56 ريالاً سعوديًّا، صادف أن هذه المئة كانت قطعة واحدة من فئة المئة شلن، فأخذت هذه المرأة تعين البنات خلفها ومَن حضر من المسلمين، وأخذوا يدعون للأمير فيصل وهي تبكي. وقال لي أحد الإخوة الموجودين هناك، وهو الأخ مبارك بن دهري، أحد إخواننا الحضارمة المهاجرين في (مومباسا)، وكان معنا في جولتنا في (مومباسا)، قال: هذه المرأة تقول: «إنه لم يقع في يدها في حياتها كلها قبل هذا مئة شلن قطعة واحدة، وهي تدعو للأمير فيصل».
شملت زيارتنا نحو أحد عشر قُطرًا، ثم رجعنا بحصيلة أعتقد أنها جيدة من المعلومات عن الإخوة المسلمين، والهدف منها هو هدف إسلامي، وليس هدفًا سياسيًّا.. نحن لسنا من أهل السياسة، ولم يكن الهدف من ذهابنا سياسيًّا. بعد ذلك اقترحت في التقرير الذي رُفع إلى الملك فيصل، رحمه الله، أنه لا بُدَّ من إرسال دُعاة، وأن تعتمد خمسون وظيفة للدُّعاة لتفريقها على إفريقية، ومبلغ من المال، ومنح دراسية.
فصدرت الموافقة السامية، وأمر جلالة الملك فيصل -رحمه الله- في ذلك الوقت بإعطائي مبلغ 350.000 ريال، وربما يساوي الآن ثلاثة ملايين ونصفًا بالقيمة الشرائية. فذهبنا إلى هناك مرة ثانية في عام 1386هـ إلى إفريقية، ولبثت خمسة أشهر وعشرة أيام، ووصلنا إلى جنوب إفريقية، وصلنا مناطق لم نصلها في المرة الأولى، ووزَّعنا منحًا دراسية في جامعة المدينة، ووزَّعنا أماكن للدُّعاة.
ثم بعد العودة أخبرت بعض إخوتي الكرام -أذكر منهم الأستاذ محمد بَهْجَة الأثري الذي فاز بجائزة جلالة الملك فيصل قبل أيام- بأنني كنتُ أكتب مذكرات يومية عن جميع ما رأيته في إفريقية. والسبب في ذلك، وأنا الرجل الذي كنتُ أعمل في الجامعة الإسلامية في المدينة، ويفترض أن يكون عندي شيء من المعرفة بأحوال المسلمين، وجدتُ أننا لا نكاد نعرف شيئًا عن المسلمين في إفريقية، وفوجئنا بالمعلومات العظيمة التي لا نعرفها، وفوجئنا بالحركة الإسلامية، وفوجئنا بدُعاة من إخواننا الأفارقة مجهولين عند الناس معلومين عند الله، لهم أعمال جليلة، أسلم على أيديهم آلاف من الناس، وقاوموا ببساطتهم وبنيَّتهم الحسنة جهود المنصِّرين وأموال الأوروبيين، وكان الواحد منهم يخرج من ماله خروجًا، حتى إن أخانا الشيخ شعيبًا من (كوتومو) في أوغندا.. هذا الرجل كان يملك قطعة من الأرض لا يملك غيرها، وهي قطعة طيبة، وفي أوغندا كان هنالك محصولان رئيسيان؛ هما: البن، والموز.. والموز يستعملونه للغذاء، وليس فاكهةً فقط؛ لأن النوع الأخضر من الموز يطبخونه طبخًا قبل أن ينضج، ويستعملونه كما نستعمل نحن الآن الأرز، وكما يستعمل أهل الشام ومصر الخبز، وهو الوجبة الرئيسة عندهم، فأوقف جميع هذه الأرض لله سبحانه وتعالى، وبنى فيها مدرسةً ومسجدًا، وسمَّاها: مدرسة الدِّين والتهذيب الإسلامي، واشترط على كل طالب يود الدخول فيها، أن يعمل على افتتاح مدرسة مماثلة لهذه المدرسة بعد تخرجه منها. عندما وصلنا إلى ذلك المكان في عام 1384هـ/ 1964م كان عدد المدارس التي انبثقت عن هذه المدرسة، عن طريق التلاميذ أو الطلبة الذين تخرجوا منها، قد بلغ 18 مدرسة.
مثل هذا الأخ لم يُنَوِّه بجهوده أحد، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً، لذلك رأى بعض إخواني رأيًا لم يكن رأيي في أول الأمر، أن أنشر ما رأيته وما شاهدته عن أحوال المسلمين خاصَّة، وعن أحوال الناس عامَّة هناك، فكتبتُ كتابًا في الحقيقة نزولاً عند حسن ظنِّ الإخوة الكرام، وأسميتُ الكتاب: «في إفريقية الخضراء: مشاهدات وانطباعات وأحاديث عن الإسلام والمسلمين»، وعندما نُشر الكتاب في بيروت استقبل استقبالاً حسنًا، لم يكن طموحي يصل إلى حسن ذلك الاستقبال، وأحسن إخواننا الكرام الظن به، وربما كان على رأسهم أستاذنا الكريم الكبير الأستاذ علي حافظ، فقد قرَّظ الكتاب بكلمات حسنة، لا أدري ربما يكون نسي هو، ولكني لم أَنْسَ.
بعد ذلك عندما استقبل هذا الكتاب استقبالاً حسنًا كان هذا حافزًا لي، وبالتعبير الصحيح الدقيق كان مشجعًا لي على مواصلة الكتابة عن أحوال المسلمين، فكان الكتاب الثاني عن «مدغشقر». ومدغشقر التي سمِّيت بعد ذلك (مالاجاش) لها حديث طويل وحديث شجي. كلمة شجي تأتي للحزن وللفرح، وهي هنا للحزن فقط؛ لأنه ليس في حالة مدغشقر ما يُفرح.
عندما وصلنا إلى هناك وجدنا مدغشقر أو (مالاجاش)، اسمها مدغشقر هذا قبل الاستقلال، ثم سماها أهلها بعد الاستقلال (مالاجاش)؛ أخذًا من كلمتين، أو نحتًا من كلمتين؛ هما الماليون في مدغشقر، والمراد بالماليين الجنس الماليزي؛ لأن القسم الأكبر الذين لهم النفوذ، ويشغلون الهضبة الوسطى المنطقة المرتفعة من مدغشقر، كانوا في الأصل جاؤوا من ماليزيا أو من أندونيسيا، وكانوا جاؤوا قبل أن يصبحوا مسلمين، أي قبل أن يصبح الماليزيون مسلمين، فأصرُّوا على أن يسموا البلد باسمهم، يعني المالي الذي يعيش في مدغشقر (مالاجاش)، نصف الكلمة من مدغشقر، ونصفها من مالي يعني ماليزيا.
وهذه التسمية تسمية ناشئة عن تعصب، وليست صحيحة قط، يعني ليست صحيحة بكل معانيها؛ لأن مدغشقر يتألف سكَّانها بصفة رئيسة من عنصرين وجنسين كبيرين، بغض النظر عن التفصيلات والأجناس الأخرى.. الأول: هم الماليزيون أو الأندونيسيون الذين يعيشون في المنطقة الوسطى بالمرتفعات، والثاني: هم الذين يعيشون على السواحل، والذين يعيشون على السواحل هم من السواحليين إن صح التعبير، أي من الإفريقيين الذين اختلطوا بالعرب، ولا يزال للعرب الآن مكانة ليست مكانة سياسية، ولكن مكانة تاريخية وعلمية. حتى الأسماء، الآن رئيس مدغشقر راتا سيراكا هو من قبيلة اسمها (بيت مشارك) بهذا اللفظ العربي الصريح: بيت مشارك، فهو من قبيلة عربية الأصل، ولكنها ضيَّعت أصلها، وضيعت أهم من أصلها دينها، فأصبحوا لا يدعون الإسلام، بينما أسماؤهم أسماء المسلمين، ويصومون شيئًا من رمضان، ويتلون آيات من القرآن الكريم عند الزواج، ويقولون: هذه بقية لنا من تقاليدنا.
فعندما استعمر الفرنسيون مدغشقر سارع أولئك الماليزيون، أو لنقل: الأندونيسيو الأصل، إلى دخول المدارس النصرانية، واحتضنهم الغربيون لعدم وجود ديانة لهم ولا تقاليد عريقة تتنافى أو يخشى منها أن تتنافى مع المدنية الغربية، بخلاف سكَّان السواحل الذين هم عرب مختلطون وفيهم العنصر الإسلامي، فالحكومة الفرنسية سلمت السلطة لهم، فسموا البلاد باسم عنصري يدل على بلادهم، وهو مدغشقر كما قلت، وإلا فكثير من الناس وخاصَّة سكَّان السواحل ليسوا من (مالاجاش)، وليسوا من أصل أندونيسي، وإنما هم من أصول إفريقية سواحلية اختلطت بأصول عربية، ولا تزال الشواهد جديدة ماثلة للعيان، حتى إن هنالك مدينة كبيرة مشهورة اسمها (صَلالَة)؛ لأن أول مَن أسسها عُمانيون من أهل (صَلالَة)، سموها (صَلالَة) على اسم المدينة (صَلالَة) الموجودة في عُمان الآن.
عندما وصلنا إلى مدغشقر وجدتُ أن الذين يقولون: إنهم مسلمون، وهم في أكثرهم لا يفهمون شيئًا عن الإسلام، لا يتجاوزون 4 ./. مع الأسف الشديد، أمَّا البقية نحو 40 إلى 50 ./. فهم من المسلمين الضائعين، الذين كانوا مسلمين ثم انقطعت صلتهم بالمسلمين وبجزيرة العرب، فأصبحوا غير مسلمين، ولكنهم لا يقولون: إنهم نصارى، ولا يقولون: إنهم مسلمون.. فكتبتُ كتاب «مدغشقر»، وكنت متأثرًا بما رأيته، وهو جدير بأن يتأثر الإنسان به.
ثم انتقلتُ في عام 1394هـ من الجامعة الإسلامية في (المدينة المنوَّرة) إلى الأمانة العامَّة للدعوة الإسلامية. والأمانة العامَّة للدعوة الإسلامية أنشئت لتكون أمانة عامَّة للهيئة العُليا للدعوة الإسلامية. والسبب في إنشاء الهيئة العُليا هو أن الملك فيصل -رحمه الله- عندما اتسع عمل المملكة، ورؤي أن الجهات التي تعمل في حقل الدعوة الإسلامية وتساعد المسلمين قد أصبحت عديدة، منها في ذلك الوقت: رابطة العالم الإسلامي، والجامعة الإسلامية في (المدينة المنوَّرة)، ووزارة الحج والأوقاف، ورئاسة البحوث العلمية والإفتاء.. وبعض الجامعات كانت تقدم مباشرةً مساعدات للمسلمين، فرأى تأليف هيئة عُليا من خمسة وزراء، تنحصر مهمتها في ثلاثة أشياء، هي: التخطيط للدعوة، والتنسيق بين الجهات العاملة في الدعوة، ومتابعة ما يصدر من أوامر تتعلق بالدعوة الإسلامية، وما يُرسم من خطط. وكان رئيس الهيئة في ذلك الوقت هو الشيخ محمد الحَرْكان -غفر الله لـه- بصفته وزيرًا للعدل، فجلالة الملك فيصل طلب منهم أن يختاروا أمينًا عامًّا للهيئة للدعوة الإسلامية، وأن يتخذوا محضرًا بذلك، فرشحوني أنا، واتخذوا محضرًا يتضمن ترشيحي، ووافق عليه الملك فيصل، رحمه الله.
فانتقلتُ من الجامعة الإسلامية في (المدينة المنوَّرة) إلى (الرياض). والحقيقة أنه لو كان انتقالي إلى جهة غير جهة الدعوة لَمَا رضيتُ عن (المدينة المنوَّرة) بديلاً؛ لأنني كان قد مضى عليَّ في سكني (المدينة المنوَّرة) أربعة عشر عامًا، وهي مدة طويلة، وأنتم تعرفون مدينة الحبيب e لا يستطيع مَن يجلس فيها مرة أقصر من تلك أن ينتقل منها إلا بصعوبة، أو لأمور ليست في يده، ولكن انتقالي للدعوة الإسلامية نرجو أن يكون هو الحافز.
وظيفتي التي انتقلتُ إليها مسمَّاها الأمين العام للدعوة الإسلامية وأمين الهيئة العُليا، وهي وظيفة كان يُفترض في شاغلها أن يكون على اطلاع كامل.. كيف يضع مشروعات الخطط ويقدمها للهيئة العُليا، إلا إذا كان عنده معلومات متكاملة؟ فاتسعت الحاجة بذلك إلى المعلومات، بل زيادة المعلومات عن الإخوة المسلمين.
وكان الاهتمام مُنْصَبًّا في أول الأمر على القارة الإفريقية، إلا أن الإخوة المسلمين في العالم أخذوا يقصدون المملكة العربية السعودية بطلب المعونة، وهذا أمر طبيعي؛ لأن المسلمين كما يتجهون في صلواتهم في اليوم والليلة خمس مرات إلى الكعبة المشرفة، وهي مهوى قلوبهم؛ فإنهم يتجهون إلى جهة الكعبة المشرفة أيضًا ابتغاء النصر والمعونة على تحقيق أمور دينهم، لا سيَّما وزعماء النصارى والعاملون في التنصير يتجهون إلى موضع آخر هو (الفاتيكان).. نحن لا نقول هذا من باب المقارنة بين (مكَّة المكرَّمة) و(الفاتيكان)! حاشا وكلاَّ؛ لأنه لا رهبانية في الإسلام، ولكن نقول: هذا هو الذي دفع المسلمين أو كثيرًا منهم إلى أن يبحثوا عمَّن يساعدهم على أمور دينهم، فإذا رأوا أن النصارى أو بابوات روما يساعدون مَن يريد أن يبني كنيسته، وأحيانًا يبنون هم الكنيسة لهم كاملة، فإن المسلمين يتجهون بأبصارهم ويتجهون بطلباتهم ورغباتهم إلى (مكَّة المكرَّمة)، إلى إخوانهم في المملكة العربية السعودية، فكان ذلك الاتجاه يُقابَل بالترحيب.
وكان لا بُدَّ أيضًا من الإشراف على ما يُقام من المشروعات، أو ما يخطط له من هذه المشروعات، فاتسعت بذلك دائرة العمل، فكان يُطلب مني أن أسافر في كثير من الأحيان إلى البلاد الإسلامية؛ للاطلاع على المشروعات التي تحتاج إلى مساعدة، أو لمعرفة مَن هو الجدير بالمساعدة، وهذا أمر بديهي. فكتبتُ عدة كتب في هذه الفترة عن أحوال المسلمين. والسبب في ذلك ليس رغبةً في الكتابة، مع أنه مطلوب من الإنسان الذي يقرأ أن يكتب؛ لأن الإنسان إذا رأى المعلومات لنفسه واختزنها لنفسه، فإنه سيكون كمَن عنده طعام واحتكره، وإذا كتبها وأذاعها فإنه يكون قد أفاد مَن يجد في كلامه فائدة، ولكنه يكون قد عرَّض نفسه أيضًا للانتقاد، كما يقول علماؤنا الأجلاء القدماء: «مَن ألَّف فقد استُهدف». ولا أظن أن الاستهداف منع أستاذنا الدكتور صلاح الدين المُنَجِّد، أو خوف الاستهداف من التأليف، حتى بلغت تآليفه وما حققه من كتب الآن ما يزيد على مئة، وربما أسميه أنا سيوطي هذا العصر؛ لأنني رأيت للإمام السُّيوطي -رحمه الله- كتيبًا لا أدري هل اطلعتم عليه، اسمه «التحدُّث بنعمة الله»، وهذا الكتيب نالت فيه فتاة إنجليزية درجةً عُليا لا أذكر هل هي الماجستير أو الدكتوراة، سمَّاه «التحدُّث بنعمة الله»، وذكر فيه مؤلَّفاته التي أتمها في ذلك الوقت، فبلغت 376 إلى حين كتابة كتابه ذلك، ولا ندري عَمَّا ألفه بعد ذلك إلا من باب التخمين إلى حين وفاته.
وبطبيعة الحال، ربما تجدر الإشارة هنا إلى ما قالـه بعض الناس في الإمام السُّيوطي؛ لأن بعض الناس قالوا: هذا جهد لا يمكن أن يقوم به بشر، كيف يستطيع أن يؤلف الإمام السُّيوطي كما قيل 500 أو 600 مؤلف؟! فهل هو بالفعل ألَّفها كلها؟ بعض المؤرخين الذين لا نستطيع أن نقول: إنهم مبرؤون من الميل؛ لأن خصومة السُّيوطي مع السخاوي صاحب «الضوء اللامع» مشهورة، حتى بلغ بعضهم بها رتبة العداوة، وقال: إنها تحاسد الأقران أو تحاسد العلماء مع الأسف الشديد. فتحاسد العلماء معروف من قديم الزمان، وهو أمر يكاد يكون معروف السبب إن لم نقل: يكاد يكون طبيعيًّا؛ لأن الأمثال القديمة تقول: (عدو المرء مَن يعمل عمله)، وليس المراد أن العلم هو عمل يعمل به، ولكن ذلك فيما يتعلق بالتصنيف والتاريخ؛ لأن الإمامين كليهما مصنِّف ومؤرِّخ.
فالذين لا يعطون السُّيوطي الحق كله في تأليف هذه الكتب يقولون: إنه رجل ورث ثروة عن أبيه، وكان يقال له: ابن السُّيوطي. وهذه الثروة تشتمل على أراضِ زراعية تسمى الأطيان في مصر كما تعرف.. فكان يأتي بمجموعة من طلبة العلم المحتاجين عنده يقرؤون عليه ويُنفق عليهم، ويطلب منهم أن يختصروا بعض الكتب، وأن يؤلفوا، ثم ينظر فيها هو ويكتب عليها. هذا قول إن صح على بعض مؤلفات الإمام السُّيوطي فإنه لا يصح عليها كلها؛ لأن إمامًا آخر هو الإمام ابن حَجَر -رحمه الله- ألَّف من التآليف ما لا يتصور المرء أنها كلها لـه، وهو رجل رئيس قضاة، أو ما يسمَّى بقاضي قضاة في مصر، فهذا رجل ألَّف في التاريخ وحده ما يزيد على 56 مجلدًا، طبع منها نحو الأربعين، ومنها: «تهذيب التهذيب»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«تعجيل المنفعة»، و«الدُّرَر الكامنة»، ومؤلفات أخرى أكثرها مطبوع. ثم صنَّف الكتاب العظيم الذي يجدر أن يكتب بماء الذهب، وهو «فتح الباري شرح صحيح البخاري».
وعندما عُزِلَ من القضاء، أي من رئاسة القضاء في مصر، صار الناس يأتون إليه يطيبون خاطره، ويقولون له: نحن نحمد الله سبحانه وتعالى على أن سلمْتَ من مشكلات القضاء ومن تَبِعَاته، فيقول: الحمد لله لقد عُوفينا. ثم يذهبون إلى البلقيني، وهو الذي عين خلفًا لـه يهنئونه بتولي القضاء، فقال ابن حَجَر أبياتًا عن هذا الأمر، ربما لا مانع من إيرادها؛ لأنها طريفة، يقول:
بمثله يُتغنى عندي حديثٌ طريفٌ
هذا وهذا يُهَنى عن قاضيين يُعَزَّى
وذا يقول استرحنا فذا يقول أكرهونا
فمن يصدق مِنَّا ويكذبان جميعًا
هذا كلام ابن حَجَر، رحمه الله.
وبعد أن مكثتُ في الأمانة العامَّة للدعوة الإسلامية نحو 9 سنوات، وبعد وفاة الشيخ محمد الحَرْكان، رحمه الله. وهنا لا بُدَّ من ذكر قضية مهمة جدًّا، وهي أن صاحب المعالي الشيخ محمد الحَرْكان -رحمه الله- عندما ترك وزارة العدل، وكان يلي رئاسة الهيئة العُليا للدعوة الإسلامية بصفته وزيرًا للعدل، صدر الأمر السامي بإسناد الرئاسة في الهيئة العُليا للدعوة الإسلامية إلى صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران، وقد قَبِلَها سموُّه رغم أعماله ومشاغله الكثيرة، وكان يقول، وأقسم مرَّة: إنني أتمنى لو لم يكن لي شغل إلا أن أتفرغ للدعوة الإسلامية.
وقد سعدتُ بأنني عملتُ مع سموه الكريم نحو سبع سنوات في الهيئة العُليا للدعوة الإسلامية، تحت رئاسة سموه. ثم عندما توفي الشيخ محمد الحَرْكان -رحمه الله- في اليوم الثامن من شهر رمضان عام 1403هـ صدر الأمر بأن أتولى وظيفة الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي، وبالفعل توليتُ هذه بصفة ما يسمَّى إعارة. ولا بُدَّ من ذكر هذه، وإن كنتُ لا أريد أن أكون معارًا أو مستعارًا، ولكن هذا هو التعبير النظامي، وأنا لا زلتُ على وظيفتي في الدعوة الإسلامية رسميًّا، لكن حسب الأمر أتيتُ إلى هنا، ولا أزال أشغل هذه الوظيفة.
أرجو ألاَّ أكون قد أطلتُ عليكم بهذا الكلام.
دور الرابطة
وسأل الأستاذ مصطفى عَطَّار المحتفى به عن دور الرابطة فيما قام به فضيلته، فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم، لقد سعد الجميع بقبول سماحة الشيخ العبودي بأن يكون ضيف هذه الإثنينية الليلة، رغم مشغولياته الكثيرة.
لقد استفدنا فوائد عظيمة من المراحل التي مرَّت في حياته، وأخذ يسردها علينا، ثم إننا سعدنا جدًّا بالبرنامج الضخم الذي تبنَّته المملكة العربية السعودية، واستطاعت -بفضل الله سبحانه وتعالى- أن تغزو القارة الإفريقية، وتنافس أولئك الذين يملكون الأموال الضخمة والتخطيط المنظم لتنصير المسلمين هناك، ولمد الزحف غير الديني في الأقطار الإسلامية خاصَّة في إفريقية وآسيا، ولا يُستغرب من الشيخ العبودي هذه الجهود الضخمة التي بذلها ولله الحمد، فلقد أَوْلَتْهُ الدولة الثقة الكبيرة، وكلنا يعلم حماس الملك فيصل -رحمه الله- للتضامن الإسلامي، وكيف أنه هو -رحمه الله- قد زار أقطارًا عربية وإسلامية، وقضى أشهرًا وهو يزور أكثر الأقطار الإسلامية والعربية لهذه الدعوة الإسلامية، وترأَّس مؤتمرات هنا في (جدَّة).
فالحمد لله على ما أفضل به على هذه المملكة، وشكرًا لفضيلة الشيخ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يُثيبه وإخوانه الذين ساعدوه وعملوا في هذا المسلك، وحسبنا قول الله سبحانه وتعالى: ]وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مممَّن دَعَا إلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا[ [سورة فُصِّلت: 33]. ولكننا، كما قال فضيلة الأخ الشيخ محمد مسعود، نريد من فضيلته، وهو الذي لمس بيديه، ورأى بأُمِّ عينيه البرامج الضخمة العملية التي يقوم لها وينفذها الغربيون، وهو لا يريد أن نستعمل كلمة المبشرين، بل نستعمل كلمة الغربيين؛ لأنهم يقومون بفتح المدارس، وهم يقومون ببناء المستشفيات والمستوصفات، ونحن نريد أن نعرف في هذه النقطة دور الرابطة، وما عمله هو حينما كان في أمانة الدعوة الإسلامية التي أشار إليها من ناحية فتح المدارس والمستوصفات والخدمات الطبية التي تقدم، والسلام عليكم.
رَدُّ فضيلة الشيخ محمد العبودي
ثم رَدَّ فضيلة الشيخ العبودي فقال:
بالنسبة إلى دور الرابطة فهو متشعِّب، ويحتاج ذكرُه إلى وقت طويل، ليس معنى ذلك أننا لا نستطيع أن نقدم فكرة موجزة، ولكن كيف نتحدث عن مؤسسة ميدان عملها جميع أنحاء العالَم؟ لماذا؟ لأن ميدان عمل الرابطة حيث يوجد المسلمون في العالَم، ولا يكاد يوجد الآن -ولله الحمد- بلد ليس فيه مسلمون، بل إن الإسلام يفتح حصونًا جديدة في هذا العصر، ولعلي أحدثكم عن شيء شاهدْتُه قبل ثلاثة أشهر فقط، يسرُّكم ويسرُّنا جميعًا.
تعلمون أن نيوزيلندا، وهي تقع شرق القارة الأسترالية، مؤلفة من جزيرتين مستطيلتين: إحداهما: يسمونها الجزيرة الشمالية، والثانية: الجزيرة الجنوبية.. الجزيرة الشمالية هي مركز النشاط، فيها العاصمة (ولنجنون)، وفيها المدينة الرئيسة الكبرى، التي هي أكبر من العاصمة، وهي (أوكلاند). والسبب في كون ذلك النشاط متجمعًا في هذه الجزيرة؛ لأنها أكثر اعتدالاً، يعني أقل بردًا؛ لأن نيوزيلندا وهي في جهة الجنوب الجو فيها مثل بريطانيا، وهي في جهة الشمال؛ لأن الجزيرة الجنوبية تقع على خط العرض 49 أو 50 جنوب خط الاستواء، وبريطانيا كما نعلم شمال خط الاستواء، فأول مسجد أسس في الجزيرة الجنوبية من نيوزيلندا أسسه إخواننا المسلمون في مدينة اسمها كرايست تشيرش (christ churche)، وكلمة كرايست تشيرش إذا ترجمناها حرفيًّا تعني (كنيسة المسيح). إذن دعانا إخوتنا المسلمون إلى افتتاح مسجد في (كنيسة المسيح) إذا استعلمنا ترجمة حرفية؛ لأن هذا اسم المدينة.
والسبب في دعوتهم للرابطة ودعوتنا لحضور افتتاح المسجد، أن المملكة العربية السعودية -وفَّقها الله- قد تبرَّعت لبناء هذا المسجد، وأسهمت فيه بمبلغ 800.000 ريال أمر بها جلالة الملك فهد، حفظه الله، جَرْيًا على عادته في التبرع؛ لتقديم مساعدات للمسلمين في الخارج، حتى ومن خارج الرابطة، ولكن كانت الرابطة واسطة. فطلبوا مِنَّا أن نحضر، وحضرْتُ، وكنتُ الوحيد الذي حضر من وراء البحار كما يقولون، فلم يحضر أي شخص مندوب من أي بلد عربي لحضور افتتاح هذا المسجد في هذه المدينة، وأهله يقولون: نحن أقرب مَن يقول (الله أكبر) إلى القطب الجنوبي. لا يوجد مسجد جهة الجنوب منهم، هم على خط 48 جنوب خط الاستواء، والجو عندهم بارد جدًّا حتى في الصيف، وبطبيعة الحال صيفهم خلاف شتائنا، فإذا كان الصيف عندهم كان في النصف الشمالي شتاء.. إلخ.
هذا شيء مفرح أن يكون الإسلام فتح مسجدًا في الجزيرة الجنوبية من نيوزيلندا، التي هي نائية بطبيعتها. نحن سافرنا إلى (كريست تشيرش) من مدينة (سدني) الأسترالية الكبيرة، وقطعنا في الطريق ساعتين ونصفًا بالطائرة النفاثة حتى وصلنا (كرايست تشيرش). وبعد المشاركة في افتتاح المسجد ذهبنا إلى (مملكة تونجا)، وهذه مملكة بمعنى أن رئيسها ملك كما هو معروف، وهذه المملكة تقع في الجنوب الشرقي للمحيط الهادئ، وعلى مسافة من البُعد عظيمة.

وقبل اليوم الثامن عشر من شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 1983م منذ سنتين ونصف، لم يكن فيها مسلم واحد من أهلها، بل لا يوجد فيها أي مسلم حتى من غير أهلها؛ لأنها بلاد صغيرة، وعاصمتها جزيرة تسمى (تونجا باتو)، وإنما كان يوجد فيها اثنان من إخواننا الباكستانيين، يعملان في مشروعات للأمم المتحدة، سافرا وتركاها منذ مدة. فجاء رجل من إخوتنا من مسلمي (فيجي)، وجُزر (فيجي) ليست بعيدة جدًّا عنها، كلاهما في جنوب المحيط الهادئ، يدعو إلى الله في (تونجا)، واتصل بشخص اسمه مانو، هذا اسمه المسيحي، هو رجل نبيل من عائلة نبيلة ليس من الأسرة المالكة، ولكن قريب منهم، وله مقام كبير، وقد احتضنه المنصِّرون من قبل، وجعلوا منه داعية نصرانيًّا، وصار مديرًا لمدرسة نصرانية هناك، فاتصل به هذا الأخ المسلم ودعاه إلى الإسلام، فهداه الله على يديه وأسلم، فكان أوَّلَ مسلم من أهل البلاد، وهو من توفيق الله أنه من أسرة نبيلة متبوعة ليتبعها الناس، فبلغ عدد المسلمين الآن في جزيرة (تونجا) 104 أشخاص، استأجروا لهم دارة صغيرة أي (فيلا)، وهيؤوا فيها محرابًا وجعلوها مسجدًا يصلون به، وهذا فتح جديد. فكان من الواجب على الرابطة، وقد ذهبت إلى المنطقة، أن تزورهم. فعلاً زرناهم وتفقدنا أحوالهم، ودعونا اثنين منهم لأداء الحج إن شاء الله في هذا العام، وأَعْلَنَّا لهم تبرع الرابطة بعشرة آلاف دولار من أجل المساعدة على كراء المنـزل الذي اتخذوه مسجدًا.
بطبيعة الحال، لا يمكن أحد مِنَّا أو منكم أن يتصور أن هذه الزاوية فيها عمل للرابطة، فعمل الرابطة عظيم جدًّا، وقد واكبت هذه النهضة العظيمة في المملكة العربية السعودية، فكانت موازنتها تنمو، لا نستطيع أن نقول: إن موازنتها قد وفت بكل شيء، ولا أن الرابطة قد أصبحت على المستوى المطلوب من تغطية العالم الإسلامي، أو مساعدة المسلمين كلهم، ولكننا نقول: إنها حققت أشياء كثيرة، وحققت أشياء ربما لا يعرفها بعض الناس، وليس من المناسب، وأنا أعمل في الرابطة، أن أتحدث عما حققته الرابطة، وإن كان موضوع العمل الإسلامي ليس فيه مجال للادعاء أو للفخر إذا أخلص الإنسان في عمله، ولكن أقول: إن دور الرابطة دور عظيم، وهي تقوم بعمل عظيم.
ولم يكن بمقدورها أن تعمل، حتى بعض ما عملته، إلا بتأييد من حكومتنا الرشيدة السنية، وعلى رأسها جلالة الملك فهد، حفظه الله. وميزانية الرابطة تدفعها حكومة المملكة العربية السعودية، وتدفعها عن طيبة نفس، وزيادة على ذلك تدفع المملكة عن طريق الرابطة مبالغ إضافية كبيرة جدًّا إذا ضاقت ميزانية الرابطة عنها، ومن ذلك مبالغ من بند الشؤون الإسلامية. ولكن بحكم كون الرابطة لديها معلومات، ولها اتصالات ترفع إلى الحكومة، والحكومة إذا تيقَّنت من مشروع إسلامي فإنها تساعده.
هذا إذا كان المراد من الناحية الإدارية، يعني ماذا عملنا لأداء الواجب. أمَّا إذا كان المراد الحديث عن الواجب من حيث هو، نقول: إن الرابطة عملت عملاً جيدًا، ولكنها ينبغي أن يكون عملها أجود، والمملكة العربية السعودية عملت عملاً لم تعمله دولة أخرى، وهذا من دون ادِّعاء لنا نحن، إنما هذا هو الواقع.
إذ لا يكاد يكون مكان في العالم، ليس المراد قرية، إنما مكان أو دولة في العالم، إلا وفيها للمملكة العربية السعودية أثر من آثار معاونة المسلمين، إمَّا عن طريق المساعدة على إقامة مسجد من المساجد، وإمَّا المساعدة على الاستمرار في مدرسة إسلاميَّة، وإمَّا طلاَّب مسلمين جاؤوا على منح دراسية ثم عادوا إلى بلادهم، وإمَّا على هيئة مبعوثين يبتعثون من المملكة العربية السعودية وتدفع رواتبهم لدعوة المسلمين، وإمَّا على مؤتمرات تُقام. وأقرب مثال على ذلك مؤتمر أقامته الرابطة قبل أشهر في البرازيل لأمريكا الجنوبية كلها، كانت مناسبة طيبة جدًّا لتعرف المسلمين هناك بعضهم على بعض.
عمل المملكة العربية السعودية في الدعوة عمل لم تعمله أي دولة أخرى على وجه البسيطة، بل إن بعض الدول الإسلامية مع الأسف الشديد لا تقتصر على ترك العمل الإسلامي وأن يكون موقفها سلبيًّا، وإنما قد تعمل عملاً عكسيًّا، وهذا شيء يُؤْسَفُ لـه، ولو أردنا أن نسمي بعض الدول لسميناها، ولكنكم ربما أنتم تعرفونها.

بقي أن نقول: إن هذا لا ينسينا أن الواجب أكبر، وأن مسؤولية المملكة العربية السعودية أعظم، ومسؤولية الرابطة أكبر، ولكن ]فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُم[ [سورة التغابن: 16]، و]لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَها[ [سورة البقرة: 286].
وإذا رأينا النتائج التي قام بها العاملون في الدعوة الإسلامية، سواء في رابطة العالم الإسلامي أو في الجمعيات الإسلامية الأخرى، نجدها طيبة ولله الحمد، بل نجد أنه حصل تسابق بين دعاة الإسلام ودعاة التنصير مع الفارق المادي بين الفريقين، فكانت النتيجة في صالح الإسلام والمسلمين.
أضرب لكم أمثلة حيَّة باختصار على ذلك: (فولتا العُليا) التي تُسمَّى الآن بوركينافاسو، و(فولتا العُليا) هذا اسم برتغالي؛ لأن (فولتا) هو النهر المعروف، ووصل البرتغاليون إلى أعلاه فَسَمَّوا المنطقة (فولتا العُليا)، وإن لم تكن هناك دولة قبل الاستعمار أو قطر اسمه (فولتا العُليا). بخلاف مالي مثلاً، فمالي اسمها (مالي) من قديم الزمان منذ 700 سنة، بل منذ 800 سنة. و(فولتا العُليا) قبل أن تقوم الثورة فيها قبل سنتين سمَّوها (بوركينا فاسو)، ومعناها: الرجال الذين يستحيل إفسادهم، أو كما نقول: الرجال الصالحون أو الأتقياء، فغيروها لهذا الاسم.
وعندما استقلت (فولتا العُليا) في عام 1962م كانت نسبة المسلمين فيها حسب الإحصاءات الرسمية 28 ./.، وقبل سنين أجروا إحصاء للمسلمين فوجدوا أن نسبتهم قد بلغت 62 ./.، أي تضاعفت تقريبًا في مدة يسيرة. وكذلك سيراليون كانت نسبة المسلمين فيها عند الاستقلال في حدود 30 ./.، والآن 85 ./.، وحكومتها تتألف في الوقت الحاضر من 22 وزيرًا، 19 وزيرًا منهم من المسلمين.
ونجد أن المَدَّ الإسلامي، ولله الحمد، بل نستطيع أن نقول الصحوة الإسلامية؛ لأنها صاحبت المَدَّ الإسلامي، وانتشار الإسلام كانا يسيران في طريقين متوازيين، ولا نقول: إنها على حد سواء، ربما أن أحدهما يسبق الآخر، لكن مع الأسف الشديد إن الصحوة التي تعم المسلمين خارج الأقطار الإسلامية الأصيلة، حواضر العالم الإسلامي، لم تصاحبها صحوة في الحواضر الإسلامية نفسها؛ لكي تدفع هذا المَدَّ الإسلامي والصحوة الإسلامية إلى الأمام، لذلك لا نجد سوى المملكة العربية السعودية على مستوى العالم، وبعض البلدان الإسلامية تساعد أقطاراً معينة؛ مثل بعض دول الخليج تقدم مساعدة محدودة الجهات لدول مثل إفريقيا والهند، ولكن لانجد لهذه الدول أي أثر يذكر في نيوزيلندا وتونجا وجزر المحيط الهادئ .
مع أنه يجب أن نقول: إن إخوتنا المسلمين هناك من أهل البلاد الأصلاء، السُّكَّان القدماء هناك، قاموا بجهود عظيمة. فعلى سبيل المثال، يوجد في جزر (فيجي)، وبعضكم ربما لا يكون قد ألقى لها بالاً، أو لم يسمع عنها الكثير، في جزر (فيجي) 56 مسجدًا، رأيت منها نحو 40 بنفسي وصورتها، وكتبتُ ذلك في كتاب لم يُنشر بعد، عنوانه: «جولة في جزائر جنوب المحيط الهادي»، وفيها خمس عشرة مدرسة إسلامية ما بين ابتدائية وثانوية، إلا أن مفهوم المدرسة الإسلامية عندهم هو أن يكون فيها البرنامج الحكومي وبرنامج إسلامي، بل إن إخواننا في (فيجي) قد تعدى نفعهم إلى (نيوكالادونيا) التي تسمعون عنها في الأخبار، هذه أرض فرنسية، وهي كانت مستعمرة فرنسية، والآن بعد أن انتهى الاستعمار صارت أرضًا فرنسية، وفيها سكَّان أصلاء، يقال لهم: (الكاناك)، وهم من جنس اسمه المالونيز؛ لأن سكَّان جنوب المحيط الهادئ قسمان رئيسان؛ القسم الأول: (البولينيز)، والبولينيز ضخام الأجسام، عظام، دهم البشرة واللون، الأدهم هو اللون البني أو الأحمر المشرب بالسواد، ومن البولينيز مصارعون وأهل تونغا.
القسم الثاني: (المولينيز)، وهم سكَّان نيوكالادونيا، وسكَّان (سلمون ايلاند)، أي جزر سلامون أو جزر سليمان، هؤلاء سود يكادون يكونون من الأفارقة، وربما كان أصلهم من إفريقية، أو لأن الطقس في بلادهم يشابه الطقس هناك. ونحن نقول بأن الظاهر جميع الألوان في الإنسان سببها هو الطقس، والله سبحانه وتعالى ذكر أن من آياته اختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فالاختلاف آية من آيات الله، لكن لا يمكن القول بأن الألوان أصيلة في الإنسان؛ لأنه لو أمكن القول بأن اللون أصيل في الإنسان لَلَزِمَ من ذلك أن يكون لهم عدة آباء، غير أن أبا البشر جميعًا واحد؛ لذلك لا يمكن أن يكون لونه متعددًا، ولكن أولاده انتشروا في الأرض، فقُدِّر لهم أن يكون لهم أكثر من لون، فللطقس أثر في جعل منطقة تمتاز عن غيرها بلون بشرة سكَّانها.
وكلمة آدم نفسها إذا كانت عربية فسرها اللغويون فقالوا: آدم مشتق من الأدمة، وهي السمرة الشديدة، أي لونه أسمر شديد السمرة، ولذلك كثير من الناس يقولون: إن اللون الأسمر الشديد هو الأصل في الألوان، حتى إنه ورد في الحديث: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أبيض –ويروى- ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى». والإشارة هنا بأن الأسود الذي هو الأسمر هو لون العرب، والأحمر هو لون العجم، فلا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. وليس هذا المقام مقام الكلام عن هذا، وإنما الكلام عن إخوتنا المسلمين في المهاجر، الذين هم قائمون بعمل عظيم في الدعوة إلى الله، ولكنهم يحتاجون إلى المساعدة، فـ(فيجي) هذه التي نتحدث عنها تلقَّت مساعدات من المملكة العربية السعودية، منها مساعدة حملها الأستاذ عبد الرحمن بن ناصر العوهلي سفير المملكة في أستراليا، وذهب بها إليهم، وسلَّمها بيده.
ونيوزيلندا أُرسلت لها مساعدات ثلاث مرَّات، وآخرها الآن أصدر الأمر جلالة الملك بصرف 300.000 ريال لأهل نيوزيلندا، وستُرْسَل لهم عن طريق السفير في أستراليا، وهناك ترينيداد. ترينيداد فيها الآن 97 مسجدًا، وجارته كانت تسمى غيانا البريطانية، وكانت جارة جارتها تسمى غيانا الفرنسية، فغيانا الفرنسية اختارت أن تكون أرضًا فرنسية داخل الاتحاد الفرنسي، وفي غيانا 111 مسجدًا، وهي مساجد كبيرة، ومساعدة المملكة العربية لكل هذه البلاد وغيرها كبيرة، وربما لا يتسع المقام لذكرها، وشكرًا.
كلمة الأستاذ عبد الله بغدادي
ثم أُعْطِيَت الكلمة للأستاذ عبد الله بغدادي، فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ورحمة الله للعالمين. فلعل واجب الوفاء لصاحب الإثنينية بعد عام حافل بالنشاط، وعلى أمل اللقاء في عام قادم إن شاء الله، أن أقول هذه الكلمة.
لقد تحقق لدى أرباب القلم وصناع الكلمة في بلادنا، أن هذه الإثنينية ندوة أدبية متطورة، ومصنع من مصانع الفكر والثقافة في بلادنا، ومَعْلَم من المعالم الحضارية البارزة، وشخوص من الشخوص العملاقة، وصار حقًّا أدبيًّا نلتزم به أن نطلق على هذه الندوة الأدبية المتفردة من الآن فصاعدًا اسم صالون الإثنينية الفكري والأدبي، صاحبه ومنشئه عبد المقصود خوجه، وهو أديب متأثر بالأدباء، عارف بأقدار العلماء، خبير بمجالسة النبغاء، ملك البيان عليه كل فؤاده، واستولى الإحساس الغامر به على كل مشاعره، فتأثر بالأدباء والشعراء، وتأسى واقتدى بالعلماء، وارتفع إلى مرتبة شامخة في تجربة الأدب والأدباء، فأخذ يبشر بهم، وينشر آثارهم، وينتقي أسالبيهم في الرقة والجزالة، ويتحسس المجودين والنبغة منهم في بلادهم وفي أقطار شتى من العالم، فيقدم أحدهم تلو الآخر على مسرحه الفكري المتفرد لعرض أفكارهم، وطرح رُؤَاهم الثاقبة في موازين الفكر، ومسارح الأدب، ومجالات العلم والثقافة، والدخول معهم في مساجلات ومطارحات، للوصول إلى أفضل الطرائق، وأنجع السبل إلى تحقيق عالم أفضل، وطريق أجمل وأكمل لصناعة الكلمة، وبناء فكرنا على أساس متين من التجديد والابتكار.
وفوق ذلك تميز صاحب فكرة الإثنينية ومؤسسها ومنسقها بالأدب العالي، والخلق الوافي، فيه شغف نابغ، وطبيعة مؤاتية، ونفس جياشة، يرتدي حلل الوفاء للأصدقاء والمحبين لـه على ألاَّ يحيد عن ذلك أو يميل، ولا يفرط في عُرَى الصداقة قيد أنملة.

له فكر ثاقب، وعقل راجح، وحكمة نافذة، يجلله برد الإيمان، ونور اليقين، وسراج العافية، واستقامة السيرة، فكان بكل هذه المزايا والسجايا العقل البصير، والسراج المنير، والفكر المستنير، والأديب الخبير، وكان بحقٍّ إمام هذه الندوة الأدبية المتفردة، بل صاحبها وفارسها ومنسِّقها، لا يجارى في هذا التنسيق؛ لأنه مقسم إلى أحسن التقاسيم، وأروع الأنغام.
وكان ما أصابها من نجاح باهر موضع الثناء والتقدير من جميع الأدباء الشعراء والعلماء، وصار حقًّا لـه أن يزهو بها على الدنيا، ويفخر بها على الأيام، ويتيه بها على عالم الفكر، فقد غَدَتْ منبرًا من منابر الثقافة، ومشعلاً من مشاعل العلم، ومنارة من منارات المعرفة، يدور بين رحابها، ويقام على مسرحها نقاش علمي محبب إلى النفوس على مستوى أكاديمي مرموق، فهي تضاف من اليوم فصاعدًا إلى عِداد الصالونات الأدبية الرفيعة التي عرفناها في كتب الأدب، وكان يدور فيها نقاش مستفيض، وتقام فيها المناظرات بين أرباب الكلام علماء اللغة وفحول الأدباء والشعراء.
وتذكر كتب الأدب أن هذه الصالونات الأدبية كانت تقوم مقام الجامعات اليوم، ذكر ذلك العلامة أحمد أمين في كتابه: «ظهر الإسلام»؛ لِمَا دار فيها من حوار أدبي ممتع ارتفع إلى صف النقاش الأكاديمي العالي، فقد تحدَّث ابن عبد ربه في «العِقد الفريد»، والمَقري في «نَفح الطيب»، والمقريزي في «الخطط»، تحدث هؤلاء حديثًا رائعًا عن آداب الخاصَّة في هذه الصالونات، وحيث كان الحضور إليها في موعد محدد، والانصراف منها عند إشارة خاصَّة يشير بها صاحب الصالون. فإذا قال: ذهب الليل، قام مَن حضر، وأظن أن الليل لم يذهب. ومن المناظرات الطريفة تلك المناظرة الشهيرة التي حدثت بين سيبويه والكسائي، حين زعم الكسائي أن العرب تقول: كنت أظن أن الزنبور أشد لسعًا من النحلة، فإذا هو إيَّاها، فقال سيبويه: بل الصحيح، فإذا هو هي.

وأورد المسعودي في «مروج الذهب» طرفًا من هذه المناظرات، فقال: إن يحيى بن خالد قال لهم مرة: قد أكثرتم الكلام في الكُمُون والظهور، والقدم والحدوث، والإثبات والنفي، والحركة والسكون، والماسة والمياسة، والوجود والعدم، والأجسام والأعراض، والتعديل والتحرير، والكمية والكيفية، وسائر ما نريده من الكلام في الأصول والفروع، فقولوا الآن في العشق، فقال علي بن الهيثم: أيها الوزير، العشق سبب المشاكل، وهو دليل على تمازج الروحين.
ومن الأمثلة على تلك المجالس، مجلس الوزير ابن الفرات، وفيه جَرَت المناظرة الشهيرة بين أبي سعيد السيرافي وبين بشير بن متى، وهي التي يذكرها أبو حَيَّان التوحيدي بالمعضلة في كتابه: «الإمتاع والمؤانسة». غير أن أكثر الصالونات الأدبية شهرة تلك التي خلَّدها المتنبي في شعره، وازْدَهَى بوجوده ينشد شعره الخالد في مجلس كافور بمصر:
حياتي ونصحي والهوى والقوافيا ولكن بالفسطاط بحرًا أزرته
كأن على الأعناق منها أفاعيا تجاذب فرسان الصباح أعنةً
ومن قصد البحر استقل السواقيا قواصد كافور توارك غيره
إلى عصره إلا نرجي التلاقيا فتى ما سرينا في ظهور جياونا
عفوًا بعد هذا الاستطراد، أعود إلى صالون الإثنينية الأدبي، وفيه دارت مساجلات ومناقشات ومداخلات على هذا المستوى الفكري الرفيع، والطراز الأكاديمي العالي الرصين، والنسق المتقدم من النقاش الهادف البناء. فقضية مثل قضية الغزو الفكري الثقافي للأمصار والأقطار العربية هي -بلا شكٍّ- على أرفع المستويات الفكرية، كما أن تكريم رجل مفكِّر بارز من أبرز رجالات العصر على مستوى العالم الإسلامي كله، ومن أحسنهم في الدعوة إلى الله على هدًى وبصيرة وإيمان مستقيم، هو تكريم للعلم والعلماء في شخصه. فالأستاذ محمد ناصر العبودي رحَّالة عبر القارتين الإفريقية والآسيوية، وله رحلات في أمريكا الوسطى، ومشاهدات في المكسيك وكولومبيا وبنما وكوستريكا وغيرها، يتحسس أحوال المسلمين هناك، ويكتب عن شؤونهم وشجونهم، ويدعوهم إلى الرجوع إلى أعظم المناهج وأفضل السبل، لكل مسلم في هذه الدنيا يريد أن يستقيم على شرعة الإسلام، ويهتدي بهدي أفضل رسل الله، وأفضل البشر أجمعين، والدعوة إلى الله وإلى دينه الحق وظيفة كبرى، ومهمة عظمى، ينهض بها العلماء أمثال الأستاذ العبودي، وقد قام بها خير قيام، جزاه الله عن إسلامه خير الجزاء، وشكرًا.
كلمة المحتفي عبد المقصود خوجه
ثم تحدَّث الأستاذ عبد المقصود خوجه، فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. في الواقع لم يترك لي سعادة الأخ الصديق الأستاذ عبد الله بغدادي مجالاً للكلمة؛ فقد أسبغ عليَّ أكثر ممَّا أستحق، وليس لي إلاَّ أن أقول: اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، اللهم اجعلني في عيون غيري كبيرًا، وفي عين نفسي صغيرًا، ما أنا إلا طالب علم، وما هذا إلا جهد المقل، وإذا كان لي من شأن فهذا ليس إلاَّ بكم ومنكم وفيكم. فجزاكم الله عني خير الجزاء، وأحسن إليكم.. وليس لي في الواقع أكثر ممَّا ذكرتُ، متمنِّيًا من الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا جميعًا توفيقه ورضاه، وأن يكون هذا العمل في سبيل الله، ثم في سبيل هذا البلد الطيب، ومكررًا ما أشرتُ بأن هذا جهد المقل، وآملاً ألاَّ تحرموني من ملاحظاتكم وتوجيهاتكم، فهذا المجلس لا يتم إلا بتعاوننا جميعًا لما فيه الخير.
وبمناسبة انتهاء هذا الفصل السنوي من لقاءاتنا هذه، أرجو أن أُقَدِّم شكري الجزيل لجميع مَن ساهم من الأساتذة الأفاضل، الذين احتفينا بهم في هذه السنة وما سبقها بجزيل الشكر وعظيم التقدير، وفي الوقت نفسه أشكر الإخوان الذين ساهموا في الاحتفاء بهؤلاء الصفوة من الرجالات، شاكرًا في الوقت نفسه تشريف فضيلة الشيخ محمد ناصر العبودي لهذه الأمسية، متمنيًا أن نلتقي به وبكم في فرص قريبة قادمة وأنتم جميعًا بخير.
ولا يفوتني أن أُشير إلى أن بدء إثنينيتنا القادمة إن شاء الله ستكون بعد صيف هذا العام، وسيكون ضيفنا الأول معالي الأخ الكريم الأستاذ غازي القصيبي، مع الأستاذ الشاعر عبد الرحمن الرفيع من شعراء البحرين، متمنيًا لكم أطيب التمنيات، وشكرًا جزيلاً، وشاكرًا للأستاذ عبد الله بغدادي مُكَرِّرًا ما أشرتُ.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ختام الأمسية
ثم اختتم الأستاذ حسين نجار الأمسية، فقال:
ولا يسعني باسمكم جميعًا إلا أن أشكر ضيف هذه الإثنينية فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي، الذي استطعنا أن نتعرف إليه عن قرب رغم تعرُّفنا إلى كل نشاطاته وأعماله الخيرة. نرجو أن يكون هذا اللقاء موصولاً إن شاء الله، ونقف معه على الكثير من الجهود التي يقوم بها وأمثاله من الذين وقفوا حياتهم لخدمة الدعوة الإسلامية، سائلين الله له التوفيق والنصر، وأن يسدد خطاهم دائمًا على سبيل الخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* * *


 



التقويم الهجري
30
رمضان
1438 هـ

مقالات

في ذاكرة الأمكنة
 ابراهيم بن عبدالرحمن التركي

أدب الرحلة عند العبودي
د/ حسن بن فهد الهويمل

كلمات قضت
محمد بن عبدالله الحمدان

العبودي .. علوم وتنوع اهتمامات
 إبراهيم بن أحمد الصقعوب

إضاءة في خيمة الشيخ العبودي
د. عبدالله بن صالح الوشمي

الشيخ العبودي والرحلات بصبغة دعوية
 د.إبراهيم بن عبدالله السماري

العبودي.. ذاكرة لا تخطئ 
 عبدالعزيز المسند

أنيسهم و.. أنيسنا!
 صالح محمد الشيحي

محمد بن ناصر العبودي.. عُلماءٌ في علم
 عبدالعزيز الخويطر


بحث بالإنترنت

معاني الأسماء

أمثال
خير المال عين ساهرة لعين نائمة
أي عين من يعمل لك كالعبيد وأصحاب الضرائب، وقد يعني أن رئاسة الإقليم أو المقاطعة أفضل من سائر المعاملات.

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5


 

Copyright © 2008 www.alobody.net - All rights reserved

Design by marvksa