خريطة الموقع الأربعاء 28 يونيو 2017م
الوحشيات لأبي تمام  «^»  في مجلس الشيخ محمد العبودي الأسبوعي  «^»  العبودي والمشوح ثنائية العطاء والوفاء  «^»  ثلوثية «المشوح» تحتفي بـ«ابن بطوطة» النجدي   «^»  ثلوثية «المشوح» تحتفي بـ«ابن بطوطة» النجدي   «^»  زار 3000 مدينة حول العالم.. وتقاضى 40 ريالا كأول مكافأة له .... الشيخ محمد العبودي: المسلمون بحاجة إلى فقه الأقليات القطبية   «^»  العلامة العبودي بعيون بناته  «^»  العبودي يروي مواقف فقهاء عاصرهم  «^»  رسالة عن «برازيليات» العبودي  «^»  الندوة العلمية الكبرى عن العلاَّمة العبودي تختتم أعمالها في جامعة القاضي عياض جديد الأخبار

الأخبار
المقالات
العلامة الشيخ محمد بن ناصر العبودي .. أوراق في تكريمه بجامعة القاهرة





















العلامة الشيخ محمد بن ناصر العبودي .. أوراق في تكريمه بجامعة القاهرة
العلامة الشيخ محمد بن ناصر العبودي .. أوراق في تكريمه بجامعة القاهرة
الجزيرة 29 / 3 / 2014

بالتعاون بين منتدى ثلوثية المشوح ومركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة أقيم الأحد الماضي احتفال علمي تمت فيه قراءة أعمال الشيخ العلامة محمد العبودي وإنجازاته وسيتم نشر الأبحاث والأوراق في كتاب مستقل وتنشر «الثقافية» مجتزءات منها.
وحول هذا يكتب كل من :

1- د : محمد بن عبدالله المشوح

حديث تلميذ إلى شيخه

في نهاية الأربعينات الميلادية انطلقت بواكير التعليم النظامي في المملكة العربية السعودية والتي كان شيخنا أحد مؤسسيه وروّاده ومنظريه بدءاً بعمله مدرساً في أول مدرسة ابتدائية افتتحت ثم مديراً لثاني مدرسة في مدينة بريدة بمنطقة القصيم في المملكة العربية السعودية ثم انطلقت همة القائمين على التعليم في المملكة العربية السعودية إلى إنشاء معاهد علمية على غرار ونمط وطريقة المعاهد الأزهرية التي زارها مفتي عام المملكة العربية السعودية آنذاك الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله وأعجب بها ونالت استحسانه ورغب في نقل تلكم التجربة العلمية الرائدة إلى بلدة المملكة العربية السعودية. وبالفعل تم افتتاح أول معهد علمي سعودي ثم لحقه معهد ثاني سنة 1372هـ في مدينة بريدة بمنطقة القصيم وتولى شيخنا إدارته ثم عهد إليه بمهمة التعاقد والاختيار لكوادر علمية مناسبة جادة تتولى التعليم والتدريس في تلكم المنارة العلمية. فكانت مصر وبالأخص الأزهر هي الوجهة الكبرى والأولى وفي حدود سنة 1955م وصل شيخنا إلى مصر في أول زيارة له إلى هناك لبدء مهمة التعاقد مع عدد من علماء وأساتذة الأزهر الشريف للعمل معه في المهمة الموكلة إليه. وبالفعل ابتدأت العلاقة له مع مصر بعلمائها وأدبائها ومفكريها فنهل من علومها واستفاد من تجاربهم الفكرية وكانت له اشتراكات صحفية متواصلة ومبكرة حيث تصله بعض الصحف والمجلات المصرية مثل المقطم وغيرها على فترات متفاوتة وذلك في أوائل الأربعينيات الميلادية. كل ذلك والمجتمع السعودي آنذاك لم يزل مجتمعا طرياً ناشئاً يسير بخطى موحده الملك عبدالعزيز الذي أراد منه أن يكون شعباً راقياً متعلماً رائداً. وكانت مصر بحراكها وعلومها وجامعاتها العريقة هي الجسر الأهم لذلك البناء المعرفي. وظل شيخنا يلاحق الكلمة ويعشق المعرفة ويتوق للعلم مع تعدد المسؤوليات وتزاحم الأعمال. وفي حدود سنة 1959م ظهرت أولى بوادر البناء العلمي والثقافي لشيخنا في جدية مبكرة ومبادرة شبابية رائدة اختزل خلالها دروب التردد والفشل التي قطعت الطريق أمام الآخرين. ليبادر إلى طباعة كتابة الأول الأمثال العامية في نجد محققاً بذلك أولى رياداته في التأليف في هذا المجال مبتدئاً مشواراً طويلاً مع أولياته وفرائده التي لم تكن لسواه. استقبل الناس كتابه هذا بترحاب كبير لأنه يعتبر من أوائل الكتاب السعوديين تأليفاً وتدويناً خصوصاً أنه كتب بلغة علمية وأدبية راقية. جمعت الجوانب الشرعية والإحساس والذائقة الأدبية والمعرفة الثقافية الواسعة. مقتفياً أثر الأديب المصري الشهير أحمد تيمور باشا في كتابه الأمثال العامية في مصر ولكن بطريقة نجدية مبتكرة رائدة جديدة جمع خلالها أكثر من خمسة آلاف مثل. وها هو زميله ورفيق دربه العلامة السعودي حمد الجاسر يصف كتابه الأمثال العامية في نجد في طبعته الأولى في مصر سنة 1379هـ فيقول: «وكتاب الأمثال العامية في نجد يعتبر باكورة طيبة من بواكير الدراسات الأدبية في قلب جزيرة العرب هذه البلاد التي لا تزال بحاجة إلى كثير من الدراسات في جميع أوجه مظاهر الحياة العامة بالنسبة لسكانها من تاريخية واجتماعية وأدبية وغيرها. وسيدرك القراء ما بذله المؤلف الأستاذ الأديب محمد العبودي من جهد كبير يتبين واضحاً في مادته الغزيرة بحيث احتوى على ما يقارب ألفي مثل، وفي البحث العميق عن أصول تلك الأمثال وفي مقارنتها بمثيلاتها لدى سكان الأقطار العربية كالشام ومصر، وفي كثرة ما رجع إليه الأستاذ المؤلف من أمهات كتب الأدب العربي، وما استقى منه من مصادر مختلفة. ولهذا فإن الدارسين لتاريخ آداب هذه البلاد، بل كل المعنيين بدراسة الآداب العربية في جميع أقطار العروبة - سيحمدون للمؤلف الكريم صنيعه، وسيجدون في مؤلفه هذا ذخيرة طيبة، غزيرة في موضوعاتها، غزيرة في فائدتها، مكملة لجانب من جوانب الدراسات الأدبية، كان ناقصاً لو لم يقم الأستاذ العبودي بتأليف هذا الكتاب، في هذه الصورة التي استحق عليها طيب الشكر وجميل التقدير من جمهرة القراء لا في هذا الجزء من البلاد الذي عني المؤلف بالبحث في أمثال سكانه، بل في جميع البلاد العربية، فقد أبان المؤلف بكتابه هذا ناحية مهمة من نواحي الاتصال والارتباط بين أبناء البلاد العربية على تباين أقطارهم وتباعدها. وما أجدر الأمة العربية -في عصرها الحاضر- بأن يتجه كتابها وباحثوها إلى إبراز النواحي التي تقوى الأواصر، وتوثق الروابط وتحرك في النفوس بواعث التواصل وتدفع إلى التعارف وتوجد أسباب التآخي والتواد بين جميع أبناء العرب. ولئن كان من حق المؤلف الكريم على القراء -وهذا من حقه بلا ريب- أن يقدروا ما بذله من جهد حق قدره، وأن يستقبلوا هذا الكتاب أحسن استقبال، فإن من حق هؤلاء القراء على المؤلف أن يستنجزوه الوعد بسرعة إصدار القسم الثاني منه ، وأن يستحثوا عزيمته، لا لاستكمال البحث في موضوع الأمثال فحسب، بل بالاتجاه إلى نواح جديدة أخرى في هذه البلاد بالدراسة والتأليف، لأن هذه الباكورة اليانعة الطيبة التي قدمها الأستاذ العبودي تدفع إلى التطلع إلى ثمار شهية ناضجة من دراساته المقبلة....» انتهى. ولم يكن يعلم شيخنا أن مصر العلم والثقافة سوف تكون بداية انطلاقته مع التأليف والكتابة والتدوين ليتربع اليوم على عرش المؤلفين السعوديين إن لم يكن العرب في أكثر من مائتين وأربعة وعشرين كتاباً مطبوعاً وما يقارب مائة وثمانين كتاباً مخطوطاً جاهزة للطبع والنشر. وظلت مسيرته تسير بخطى ثابتة جادة تتزاحم حوله العلوم والفنون متأبطاً ما وهبه الله من قدرة على الحفظ وصبر على التدوين وقدرة على التميز وملكات علمية فذة جعلته اليوم بلا جدال أحد أبرز العلماء العرب الموسوعيين. حيث كتب في الشريعة واللغة والأدب والتاريخ والأنساب والفلك والجغرافيا كما كتب في فنون القصة والرواية وفن المقامات المندثر. وحظي شيخنا خلال مسيرته تلك بالاحتفاء والتقدير من قبل الجميع وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي قلده وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى إضافة على تكريم صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء بصفته احد الرواد في التاريخ المحلي السعودية وامتدت عطاءاته إلى آفاق واسعة حيث كانت له إسهامات مميزة في الأعمال والمسؤوليات الكبرى التي أسندت إليه من قبل الدولة. حيث كان أحد أبرز المؤسسين للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وكذلك أول أمين عام لها وأول أمين عام للهيئة العليا للدعوة الإسلامية والأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامية مدة ناهزت ثلاثين عاماً. ليحط الرحال متنوعاً لأعمال مشاريعه العلمية الرائدة في التأليف بعد خدمة عملية أمضاها في الدولة ومسؤولياتها الكبرى أكثر من سبعين عاماً. وإن مسيرة العلاَّمة الشيخ محمد بن ناصر العبودي في البحث والتأليف والكتابة والتدوين في الدعوة والأدب والتراث لَتَسْتَدْعِي من عاشقي العلم التوقف والتأمل؛ لإبرازها إلى خلوف الأجيال من بعد، والذي صار بدوره ظاهرة تستحق المعاينة والدراسة، ومرحلة تاريخية يلزم كشفها ودراستها. ها هو ذا العلاَّمة العبودي بقامته الممتدة عبر علومه المتزاحمة، وفنونه المشرعة، يقدم أنموذجًا فريدًا لشخصيات فريدة اختصتها المملكة العربية السعودية؛ فقدم وبذل حتى احتلَّ منزلة شمَّاء في نفوس الناس كافَِّة. بل لقد سَبَقَتْ ذكرى محاسنه إلى السمع، ووصل خبر لطائفه إلى الفؤاد، وحقًّا ما قيل: «وما المرء إلا ذكره ومآثره» وقول الآخر: ويبقى من المال الأحاديث والذكرُ أماوي إن المال غادٍ ورائح إن الحديث عن العلاَّمة العبودي أمنية تراود الكثيرين؛ آمل أن أكون قد قمت بالفرض الكفائي فيه. ولقد آنس هذا العلاَّمة من نفسه مخايل النبوغ ومواهب الإبداع، فدأب يسعى بِجَدٍّ واجتهاد للتحصيل والطلب، فنمَّى نبوغه وغذَّى مداركه حتى إذا ما اشتدَّ ساعده، واستوى على سوقه، قام بهمة وعزيمة ببذل علمه وما آتاه الله إيَّاه من مواهبَ وقدراتٍ. لقد جال هذا العلاَّمة العالم ببصيرة نافذة، وعقل راجح، وفؤاد حيٍّ، وعمق ديني راشد، وحسٍّ حضاري مفتوح بأن ذلك في شخصه وبدا على مُحَيَّاه. ولم يكن أنانيًّا في حياته وتجاربه، بل صاغ ذلك في كتبه، ودَوَّنَ ما لَقِيَهُ في سطور أوراقه ومخطوطاته، حتى اجتمعَتْ فيه علومٌ وفنون ومعارف شَتَّى، كلها تتجاذب العلاَّمة العبودي إلى كنفها ومحيطها. وقد نال العلاَّمة العبودي من تلك المعارف حظَّه ومبتغاه، فأبصرَتْ عيناه حضارات الأمم، ووطئت قدماه حواضرَ العالم القديم والحديث، فلم يبعده ذلك عن فكْر أُمَّته وتراثها، ولم يحجبه عن مكامن مجدها وحضارتها الخالدة، بل قد أصاب من تلك الحضارة خيرها، وارتوى على أثر ذلك من مَعِينِ أمته الصافي.

2- د. إبراهيم التركي

عامان في مجلس الشيخ

فاتحة: لنا أن نطاول بوقته مصطفًا بجانب علمه؛ فالفضاءُ المعرفيُّ لا يدينُ لكتابٍ وكاتبٍ أو لمنبرٍ وقائل لكنه يتجاوزهما إلى الشخصِ مع النصّ فلا يلتقي الرأس الممتلئُ والبذل المنكفئُ، ولا يعنينا العلم الممتد والتعامل المرتد، ونفتش في السير فنعتبر؛ فليس من قال كن فعل، وليس من أعطى كمن بخل. تمهيد: عُرفت المنتدياتُ الخاصةُ عبر التأريخ وتعددت وسائطُها وأهدافها، وربما كان مشاؤو «أرسطو1»- تأسست عام 335 قبل الميلاد- نموذجًا أولَ لما مثله مريدوه في حرصهم على استصحاب أستاذهم وهم يمشون بين الأشجار اقتناعًا بتأثير ناتجِه الموجب على الفهم، وبقيت مدرسة المشائين بعد وفاته بقرون وتخرج فيها عدد من النابهين في المنطق والفلسفة والعلوم والرياضيات، كما جاءت المنتديات البيتية بديلًا عن المشي، وعرف تأريخنا القديم والحديث عددًا منها كما كان يُروى عن مجلس «قيس بن عاصم2 « قبل الإسلام ومجالس الخلفاء والأدباء ومنهم ومنهن: سكينة بنت الحسين3 وولادة بنت المستكفي4 ومي زيادة5 وطه حسين6 والعقاد7 وآخرون، وذُكر بعضها في الشعر كما صنع إسماعيل صبري8 1854-1923 م مع صالون مي إذ ينسب إليه: روحي على بعض دُور الحي حائمةٌ كظامئ الطير تواقًا إلى الماء إن لم أمتع بميٍّ ناظريَّ غدًا أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاءِ كما وُثقت بعض حكاياتها في مؤلفات مثل العقد الفريد والإمتاع والمؤانسة وفي صالون العقاد كانت لنا أيام والإثنينية، وفي المملكة العربية السعودية تنوعت المنتديات الشخصية وتكاملت أغراضها بين مجالس مفتوحة ومغلقة وبين ما هدفها التكريم وتهتم بالإعلام وما تقتصر على أحاديث عامةٍ ومحاضرات متخصصة، وبرز منها سبتية الجاسرين ( حمد 9 وعبدالكريم 10) في الرياض وأحدية المبارَكَين (أحمد 11 في الأحساء وراشد 12 في الرياض) وسارة 13 الخزيم في الخرج وإثنينية الجهيمان 14 في الرياض وخوجة 15 في جدة وثلوثية المشوح 16 وبامحسون 17 في الرياض وأربعاوية الرفاعي 18- باجنيد 19 المسماة الوفاء وابن عقيل 20 في الرياض والمشيقح 21 في بريدة وخميسية الموكلي 22 في جازان وجُمعية شلبي 23 في الرياض ويومية عبدالرحمن العثيمين 24 في عنيزة، وهذه نماذج للتمثيل فقط، ويتفاوت انتظامُها وأسلوبُ إدارتها ونوعيةُ المعنيين بها. الفكرة والتنفيذ: ربما جاز لصاحبكم أن يدَّعي أنه أول من طرح فكرة المجلس أو الجلسة على معالي الشيخ العلامة محمد بن ناصر العبودي عبر الوسيط الإعلامي المقروء إثر انتقال مقر إقامته من مكة المكرمة إلى الرياض بعد تقاعده؛ فكتب في العدد 365 الصادر في الثامن من شهر ربيع الآخر عام 1433هـ (1-3-2012م ) - من المجلة الثقافية الصادرة عن صحيفة الجزيرة يطالب الشيخ - بعدما استقر في الرياض - بتخصيص وقتٍ لمحبيه كي يلتقوا به ويستفيدوا من علمه: «يوشك أن يكمل التسعين؛ منها سبعون عامًا من العمل الرسمي ليفرغ لنا العلامة الشيخ محمد بن ناصر العبودي الأمين العام المساعد السابق لرابطة العالم الإسلامي ولمشروعاته البحثية التي لم يعقه عنها عمله الطويل، فحظيت المكتبة الجغرافية والتأريخية واللغوية بأكثر من مئتي كتاب (بعضها في أجزاء متعددة) ليبدو واحدًا من أهراماتنا الثقافية التي نطاول بها؛ مضيفًا إليها سماتٍ شخصيةً مشرقةً في الطيبة وحسن الخلق وتواضع الكبار والكرم والخدمة ولين المعشر وبذل العلم لطالبيه ووفائه بحق مدينته (بريدة) وبقية مدنه على امتداد الوطن وعبر العالم الذي طاف بكل أرجائه؛ فتجاوز ما زاره الرحالة قبله، وصار مرجعًا في عادات الشعوب وثقافاتها، وقد فرح محبو الشيخ بتقاعده لظنهم أنه سيستقر أكثر في الرياض، مؤملين أن يفتتح منتدىً ثابتًا خاصًا به في ليلة أو ليلتين؛ ليكون كما المجالس المنزلية ذات الأثر الكبير في تعريف الشباب على رمز مهم من رموزهم والاستضاءة بما خطه في حياته سعيًا ووعيًا وتجارب؛ أمد الله في عمر شيخنا أبي ناصر وبارك في عمله وعلمه». وجاءت استجابة الشيخ فوريةً حيث نشرت الثقافية في عددها التالي ذي الرقم 366 الصادر يوم الخميس 15 ربيع الآخر1433هـ الموافق 8-3-2012م. «تواصلاً مع مقترح الثقافية في العدد الماضي حول ما يتطلع إليه مريدو الشيخ محمد العبودي في أن يفتتح منتدىً ثابتًا خاصًا به في ليلة أو ليلتين؛ ليكون كما المجالس المنزلية ذات الأثر الكبير في تعريف الشباب على رمز مهم من رموزهم والاستضاءة بما خطه في حياته سعيًا ووعيًا وتجارب أعلن الشيخ العبودي حفظه الله مغرب يوم الإثنين من كل أسبوع لقاء منزلياً خاصاً بمحبيه وتلامذته.. «الثقافية» تعتز بهذه الخطوة التي صادفت عزيمة وعطاء ممتدين لدى شيخنا الكبير.. والتهاني موصولة لمحبيه الكثر. أي أن ندوتنا الثلوثية « القاهرية» هذه تجيء وقد مضى عامان كاملان من عمر مجلس الشيخ الإثنيني الذي ابتدأ الإثنين 19 ربيع الآخر 1433هـ (12-3-2012م)، ويُستهلُّ عادةً عقب صلاة المغرب مباشرةً وينتهي مع أذان العشاء للمتعجلين من مرتادي الندوة وبعد أدائها جماعةً خلف الشيخ للمتريثين، وهو مجلس منتظم لا يكاد يُخلفُ إلا عند سفر الشيخ خارج الرياض ووقت إجازات الأعياد والإجازات المدرسية. موقع الجلسة: يقع مجلس الشيخ في دارته العامرة بحي النزهة في شمال مدينة الرياض، وخصص له الشيخ صالونًا داخليًا مساحته مئة متر مربع تقريبًا، ولم يستقل الشيخ بمقعد منفصل بل يقتعد أريكةً تتسع لثلاثة أشخاص يشغلها غالبًا أصدقاؤه ومرتادو إثنينيته من كبار السن ويتوزع الباقون على أرائك مماثلة تتسع لما لا يقل عن ثلاثين شخصًا وبالإمكان زيادة الطاقة الاستيعابية إلى أكثر من الضعف لو وضعت كراسٍ في منتصف الصالون وهو ما سيتيح القربَ من الشيخ وسماع حديثه بوضوح وتجاوزَ ما قد يحصل من أحاديث جانبية بين النائين وبخاصة أن الشيخ لم يفضل بعد وجود مايكروفون متنقل بين الشيخ ومجموعة المداخلين والمستفهمين ،ويحرص الشيخ على استقبال وتوديع جلسائه واقفًا بالرغم من يقينه أن مريديه لا يريدون المشقة عليه،كما تُقدَّم لهم في مجلسه القهوة والشاي والزنجبيل والتمر وبعض المأكولات الخفيفة كالمصابيب والحنيني» في وقت الشتاء»، ولا ينساهم موسمًيا من توفير ثمر نخلته المفضلة» العبودية» التي لا توجد إلا في مزرعته ومزارع من أهدى إليهم فسائل منها، ويقال إنها مأمونة لمرضى السكر بعد تحليلات مخبرية أثبتت ذلك. موضوعات الجلسة: في أولى الجلسات استفتى الشيخ جلساءه عن الأسلوب الأمثل لجعل الجلسة ذات إضاءة وإضافة، واستعرض معهم طبيعة المجالس المماثلة ووجود من يستعين بمحاضرين وفق جدولة محددة لاسم المحاضر وطبيعة محاضرته، ورأى الأكثرية أن هدفهم من المجيء للجلسة هو الاستماعُ للشيخ ومناقشتُه والإفادةُ من علمه فلا معنى لاستجلاب محاضر أو اقتراح محاضرات، وصار المجلس معتمدًا على ما يثيره مرتادوها من استفهامات وما يقدمه الشيخ من إجابات واستطرادات وفوائد تشمل مختلف حقول المعرفة لما يمتاز به الشيخ حفظه الله من سعة في المعلومات وشمولية في اتجاهاتها وما حباه الله به من ذاكرة استدعائية نادرة تحيط بالموضوعات وتفصيلاتها ؛ فهو فقيهٌ لغوي أديب رحالة مؤرخ عالم بالأنساب والأسر محيطٌ بها إحاطة المتخصص،ويزيد عليها تواضعُه العلمي فنسمع منه ثناءً على مريديه وإشادةً بجهودهم وتحريه الدقة وتبيان عدم جزمه برأيٍ في القضية المبحوثة ورغبته العودة لمكتبته من أجل مزيد من التثبت. نماذج من الموضوعات: لا يمكن حصر الموضوعات المطروحة في ندوةٍ عقد منها حتى الآن ما لا يقل عن ثمانين جلسةً وفي كل جلسة تثار عدةٌ من قضايا، ويمكن رصد عينات مما طرح وفق العناوين الآتية: * * وضع المسلمين في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم وأفريقيا الوسطى ومالي وكوبا. * * بناء أول كنيسة في جزيرة العرب قبل الإسلام في نجد. * * ذكريات مع العلماء ومنهم المشايخ: ابن إبراهيم وابن باز وابن حميد والألباني وآل سليم وآخرون. * * ذكريات مع الوجوه الاجتماعية والثقافية مثل: قني وحمدة وصالح بن صالح وعبدالرحمن الربيعي ومطوع اللسيب والملا ابن سيف وسواهم * * أنساب الأسر النجدية تحديدًا وتواريخ هجرتها. * * جغرافية القصيم بشكل خاص وأبرز معالمها وما ورد حولها في الشعر القديم. * * توثيق بعض الأحاديث النبوية المتعلقة بالمكان والزمان مثل حديث الأرضين السبع. * * حكايات طريفة عن رحلاته والمواقف الغريبة والمفاجآت التي حدثت فيها. * * تحقيق بعض الروايات التأريخية الشفاهية الواردة على ألسنة الرواة وفي المخطوطات وبخاصة ما يتصل بأحداث الجزيرة العربية. * * التدارس في بعض الأحكام الفقهية المتصلة بالصلاة والصوم وقضايا المسلمين في البلاد غير الإسلامية. جلساء الإثنينية: يتنوع مرتادو مجلس الشيخ ففيهم العالم والمتعلم والشيخ والشاب والأقارب والأباعد ويمثلون طيفًا اجتماعيًا واسعًا من جميع مناطق المملكة وبعض الدول العربية مثلما هو مفتوح لمن شاء الحضور دون تمييز، ويلاحظ وجود شخوص ملازمين للحضور وآخرين غير ثابتين، كما أن بعضهم يسجل عبر الورق والحاسوب أبرز ما يقوله الشيخ. خاتمة: يشعر مرتادو مجلس الشيخ بالحميمية حيث يحتفي بقادمهم ويتفقد غائبهم ويحتفي بأسئلتهم وتعقيباتهم ويجيد الإصغاء إليهم مع أنه أعلم منهم بما يعلقون عليه أو يبتدئون الحديث فيه ممتعًا بأخلاق العلماء الكبار مستعيدين معه قول ابن الرومي 836-893م: وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى بهِ ومع ازدياد مرتادي ندوة الشيخ حفظه الله فإن الحاجة قد تدعو لترتيب المقاعد بشكل أكثر تنظيمًا من وضعها الحالي بوصفها صالون استقبال جميلًا وإضافة بعض المقاعد الوسطية على شكل صفوف كي تستوعب عددًا أكبر ،وربما رأى المعنيون بها وعل ى رأسهم الدكتور محمد المشوح والمهندس ناصر العبودي أهمية توثيق جلساتها بالصوت والصورة فستكون لها قيمتها العلمية والتأريخية بعد حين، ويتصل الدعاء لشيخنا الجليل أبي ناصر بطول العمر وسداد العمل. وبعد: سقى الله من أضاء وأضاف وقدَّم فتقدم ومنح حبَّه كما وظّف حبره فاستحقَّ أن يعتليَ المكان وتدينَ له المكانة. *** هوامش: 1- أرسطو ( 384 ق.م - 322 ق.م ) فيلسوف يوناني عريق، أستاذه أفلاطون ومن تلامذته الإسكندر الأكبر وقد ظلت مدرسة المشائين في زمنه ثلاثة عشر عاما. 2- قيس بن عاصم التميمي حليم العرب شاعر وفارس وحكيم عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام ولقي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه. 3- «سكينة بنت الحسين ابن علي ابن أبي طالب رضي الله عنهم، واسمها آمنة وسكينة لقبها، ولدت عام 667م وتوفيت عام 735م. 4- ولاّدة بنت المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن الأموي، أميرة أندلسية وشاعرة فصيحة ولها مجلس مشهود في قرطبة، توفيت عام 1091م للهجرة في أحد الأقوال وعمرت قرابة مئة عام. 5- ماري بنت إلياس زيادة أديبة وشاعرة فلسطينية ولدت في الناصرة عام 1886م وتوفيت في القاهرة عام 1941م واشتهر منتداها وعلاقتها بجبران. 6- طه حسين علي سلامة 1889-1973 م معلم ثقافي شامخ عمل أستاذًا جامعيًا وعميدًا ووزيرًا وكان منزله» رامتان» مقصد محبيه. 7- عباس محمود العقاد علم فكري بارز ولد في أسوان عام 1889م وتوفي في القاهرة عام 1964م وكان يعقد مجلسه العام يوم الجمعة. 8- إسماعيل صبري باشا (1854 - 1923م) ويُلقب بشيخ الشعراء وإن لم يُروّ له الكثير وكان أول نائب عام مصري، ثم عُين محافظاً للإسكندرية، ووكيلًا لوزارة الحقانية. 9- حمد بن محمد الجاسر 1910-2000 م يلقب:»علامة الجزيرة العربية» وهو باحث ومؤرخ ومؤسس دار اليمامة وصحيفة اليمامة ومجلة العرب واشتهر بجلسته ضحى الخميس التي أصبحت مجلسًا باسمه ضحى كل سبت. 10- عبد الكريم بن عبد العزيز بن إبراهيم الجاسر رجل أعمال يحمل الشهادة الجامعية من كلية اللغة العربية عام 1967م وله صالون ثقافي مساء كل سبت. 11- الأديب والسفير الشيخ أحمد بن علي المبارك من الأحساء تعلم في مصر وقابل أبرز وجوهها الثقافية وابتدأت ندوته عام 1991م وتوفي عام 2010م 12- الدكتور راشد بن عبدالعزيز المبارك ولد عام 1935م في الأحساء وهو مثقف وأديب تخصص في الفيزياء والكيمياء وله جلسة أحدية مسائية تجاوز عمرها ثلث قرن. 13- سارة عبدالله الخزيم من مدينة الخرج عملت في حقل التربية والتعليم ثم تفرغت لصالونها النسوي الثقافي الذي أنشأته عام 2013م. 14- عبد الكريم بن عبد العزيز الجهيمان ( 1912- 2011م)، صحفي وأديب وباحث من الرعيل المؤسس ،وكانت له جلسة أسبوعية مغرب كل إثنين استمرت شهريًا بعد وفاته. 15- عبدالمقصود محمد سعيد خوجة رجل أعمل ومثقف وصاحب صالون إثنيني مشهود يعتني بتكريم البارزين من السعوديين والعرب وطبع أعمال الرواد ونشرها. 16- « الدكتور محمد بن عبدالله ابن إبراهيم المشوح (1966م -) محامي ومستشار قانوني تخصص في الشريعة ويمارس المحاماة وله صالون ثلاثائي يكرم فيه أبرز الشخصيات الثقافية والمجتمعية. 17- الدكتور عمر عبدالله بامحسون (1943م- ) متخصص في القانون ولديه مكتب للمحاماة كما له صالون ثلاثائي متعدد الاهتمامات. 18- عبدالعزيز بن أحمد ابن عبدالكريم الرفاعي من مواليد أملج (1923-1993م) وهو باحث وأديب ومؤسس المكتبة الصغيرة ودار ثقيف وله صالون خميسي تحول أربعاويًا بعد وفاته. 19- الشيخ أحمد بن محمد باجنيد (1943م -) رجل أعمال ومحب للثقافة وأهلها ومن المداومين على حضور ندوة الرفاعي، وفي حياته كما بعد وفاته استضافها في دارته مواصلًا نهجها. 20- الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز ابن عقيل (1916-2011م )عالم بارزٌ يعد مرجعًا في الفقه الحنبلي وهو من أخلص وأقرب تلاميذ الإمام عبدالرحمن السعدي وله ندوة علمية أسبوعية مستمرة بعد وفاته. 21- الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله ابن عبدالعزيز المشيقح ( 1944م - ) متخصص في التربية وعضو سابق في مجلس الشورى وله منتدىً ثقافي أسبوعي في مدينته بريدة. 22- عبدالرحمن الموكلي شاعر من جازان أصدر عددًا من الدواوين وحظي باحتفاء النقاد وله صالون ثقافي أنشأه عام 2006م. 23- معتوق عبدالرحمن شلبي (توفي عام 2009م) وشغل مناصب في وزارة الثقافة والإعلام وآخرها وكيل لها للشؤون الإدارية وندوته مستمرة بعد وفاته. 24- الدكتور عبدالرحمن السليمان العثيمين (1945م-) عمل أستاذًا بجامعة أم القرى وهو من أبرز المحققين في زمننا ومتخصص في النحو والصرف وعلوم اللغة وله جلسة يومية في دارته بعنيزة.

3- د : حسن بن فهد الهويمل
أدب الرحلة عند العبودي..!

يوم لا أنساه، والأيام المحفورة في الذاكرة كثيرة.منها المفرح، والمترح، ومنها المخيف، المُطَمْئِن.. كلها تتجاور في أعماق النفس بتناقضاتها الصارخة، ومتى عفت مع تطاول الزمن، جاءت المناسبات، كما السيول التي تجلي الطلول. وتكريم العلاَّمة معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي في أي محفل في مصر أو في السعودية يعيد لي يوماً تفصلني عنه ستة عقود، إنه زمن طويل، ولكنه لم يستطع طمس أحداث ذلك اليوم، فكأن بيني وبينها ساعة من نهار. في صبيحة الخامس عشر من شهر صفر عام 1374هـ لملمت أطرافي المبعثرة، وغسلت وجهي المغبر، ولا أستبعد أنني استعرت عباءة وحذاء، ودفعت بكل هذه الملفقات إلي مكتب طيني صغير، يقبع في أقصاه رجل مهيب الجانب، تزينه وضاءة العلم، ويملؤه حنو المعلم. إنه العلاَّمة [محمد العبودي]، كنت يومها في السنة الرابعة الابتدائية، وكان لدى (المعهد العلمي) إذ ذاك مرحلة تمهيدية، تسبق المتوسط، ويُقْبل فيها المتفوقون، ليدرسوا في المرحلة التمهيدية. لم أكن متفوقاً، ولكن والدي جار جنب لفضيلته، ومازال الرسول يُوصي بالجار، حتى كاد يورثه. نظر إليَّ كما لو كان يتقرَّى ملامحي، ثم دفع بي إلى المراقب، ليلحقني بالصف الأول تمهيدي، وكان حقي أن ألحق بالصف الثاني، ولكنه قوَّم أشيائي، ولم يقوِّم معارفي. فكان أن ضاع من عمري عام دراسي. هذا اليوم الاستثنائي في حياتي أدخلني إلى عوالم، لم أكن أعهدها من قبل. وبعد سنتين أو ثلاث، جاءت زيارة [الملك سعود] - رحمه الله- إلى القصيم، ومن ضمن برنامجها زيارة المعهد، فكان أن تقلدت مكبر صوت، لأهتف بكلمة واحدة (يعيش جلالة الملك) يرددها من ورائي الطلاب المصطفون على جانبي الطريق. لقد مكثت أسبوعاً أردد هذا الهتاف، وأسبوعاً أطبقه، وساعة العسرة تلعثمت، فقلت:(يعيش جلالة الملوك) فكان أن سيئت وجوه المدربين، وارتبك المُردِّدون من ورائي، ولم يشف نفسي، ويذهب سقمها إلا تلك التلويحة الحانية من يد جلالته، مشعرة بالاستلطاف، مع نظرات مشفقة من خلف نظارة جلالته السميكة، ولكن الخوف ظل يساورني من مديرٍ يُقَدِّم بين يدي مساءلته للمخالفين والمقصرين صَفْعةً على خَدٍّ نحيف، وأحسب أنه لم يسمع ما سمع غيره، فمرت الحادثة بسلام. لقد عودنا الانضباط والطاعة، وكانت له أياديه البيضاء في التأسيس للتعليم، وتعويد القراءة في (مكتبة المعهد) التي تعهد بإنشائها، وإمدادها، وكانت انطلاقتي القرائية منها، ومن (المكتبة العامة). إنها ذكريات عذاب، وإن لم تكن على شيء من اليسار، ولا على شيء من رخاء العيش وآثار النعمة. ويظل حَنِينُ الإنسان أبداً إلى زمن البراءات والتطلعات. فالراكضون في عقد السبعينات- وأنا منهم- يصحبون الدنيا بملل وضيق، وإن طال أملهم، وأحبوا دنياهم. ولأن حديثي عن جانب من حيوات العلامة عميد الرَّحالين، فإنني سأضرب صفحاً عن الذكريات العذاب، والمقدمات المهمة من حياة الرحالة ، لأدخل إلى (أدب الرحلة) عنده.. ومعالي الأستاذ (محمد بن ناصر العبودي) عالم وأديب ومثقف، له اهتماماته التاريخية، والجغرافية، والأدبية، وله نشاطاته التعليمية والدعوية. ولقد اسعفته ظروفه العلمية والعملية، فكان أن استثمر كل لحظة من حياته، تَعَلُّماً وقراءةً وكتابةً.. ويأتي (أدب الرحلة) في مقدمة إنجازاته التأليفية كثرةً، واتساعاً، واشتهاراً. وإذ عرف (العقاد) مفكراً، وهو شاعر، فقد عرف(العبودي) رحالة، وهو العالم المتعدد الاهتمامات، والقدرات، والمؤلفات. ذلك أن عمله الرسمي تعانق مع اهتمامه بالرحلة وآدابها. وقبل مباشرة الحديث عن هذا الفن السردي المعرفي، نود الإشارة إلى (أدب الرحلة)، بوصفه لوناً من ألوان السرديات، تتنازعه معارف متعددة، فهو كما الثقافة، يأخذ من كل شيء بطرف، إذ يكون تاريخاً، أو جغرافيا، أو علم اجتماع، أو علم سكان، أو سيرة ذاتية، أو ما شئت من أنواع السرديات العلمية والإبداعية. والرحالة وحده القادر على إعطاء (أدب الرحلة) عنده نكهة خاصة، تميزه عن غيره ممن كتب في هذا اللون. فما(أدب الرحلة): فنيّاً وتاريخيّاً وموضوعياً؟.ومَنْ هم أعلامه؟ وما نصيب الحضارة الإسلامية من هذا القول السردي؟. وحديثي عن عَلَمٍ من أعلام هذا الأدب يقتضي اللمحة دون البسط، إذ لست بحاجة إلى الرصد التاريخي لهذا الفن، وفي الوقت نفسه لن أطيل الوقوف على الأبعاد الفنية وتحولاتها، ذلك أن (أدب الرحلة) واكب الوعي الإنساني، واختلط بعلوم: (الجغرافيا) و(التاريخ) و(السياسة). ولم يكن علماً مستقلاً، وإن أشير إليه عرضاً في دراسة الأعمال أو الشخصيات. لقد كان لكل حضارة نصيب من هذا الفن، ولا أحسبنا بحاجة إلى الدخول في ضوائق المفاضلة، أو الريادة. فالرحلة لصيقة بالإنسان، وحديثه عما لقيه فيها من نصب، وما شاهده من أشياء يأتي عفوياً. والشعر العربي يفيض برصد ما يعانيه الشعراء المسافرون، في ظعنهم وإقامتهم. ولكن تسجيل معاناتهم، وما يتحدثون عنه من راحلة، ورحلة، وأطلال ومحبوبة، وموارد مائية، وجبال شاهقة، وأودية سحيقة غائرة الماء، كل ذلك واقع في صميم أدب الرحلة. ومطالع القصائد العربية القديمة لا تخرج عن وصف ما يمر به الشعراء، وما يقفون عليه من إقواء، وعفاءٍ، وأحْجارٍ، وملاعب، وأطلال، ومواقد، وبقايا معاطن. وهي معارف تقصاها دارسون ك (حسين عطوان) و(وهب رومية) وآخرون. غير أن ما نحن بصدده يختلف تماماً عن الرحلة في الشعر العربي، وعن المطالع الطللية، أو الخمرية. فالشعر لا يحفل بالمشاهد والمواقف إلا بقدر ما تنطوي عليه من ذكريات مرّ بها الشاعر. ثم هو يتحدث عن الصحراء لمجرد أنها ظرف مكاني للقاء متخيل، أو حقيقي مع محبوبة حقيقية، أو وهمية. و(أدب الرحلة) اتخذ مستويين إجرائيين: مستوى الرواية الشفاهية، ومستوى التدوين. والشفاهي سابق على التدوين، ولكل حضارة بداياتها الحضارية في عمق التاريخ، ولكل علم بداياته العفوية. فلقد كان الراحلون من كل نحلة، وعصر، وعنصر يتحدثون إلى بعضهم كما يقول الشاعر: (أَخَذْنا بِأطْراف الأحادِيث بَيْننا.... وسَاَلتْ بأَعْناق المُطِيِّ الأباطِحُ) وإذا عادوا إلى ديارهم، رووا لمن خلفهم ما لقوه في سفرهم من نصب. وقد يبالغون فيما يلقونه، ويشاهدونه. ثم إن المتلقين عنهم يعيدون ما سمعوه للمتعة، أو للاعتبار، فكان (أدب الرحلة) شفاهيّاً كأي بداية معرفية أو فنية، وحين بدأ التدوين، دونت العلوم والمعارف الجغرافية والتاريخية، واختلط (أدب الرحلة) فيها، ثم اتخذ سبيله إلى التميز والاستقلال، وما أن أسهم الرحالة في الكتابة حتى مالوا شيئاً قليلاً إلى (أدب الرحلة)، فكان أن تخلَّق هذا الأدب، كما الأجِنِّة في الأرحام، وامتاز عما سواه من فنون الكتابة. والرحلة غير الاغتراب، فـ(المهجريون) وطائفة من (العقيلات) كما يسميهم النجديون، خرجوا من ديارهم للإقامة الدائمة أو الطويلة ، ومن ثم نشأ (الأدب المهجري) و(أدب الاغتراب)، وقد يتداخلان مع (أدب الرحلة).. و(الرحالة) غير (المهاجر) وغير (المغترب)، فالرحالة ينطلق في مهمة ليعود إلى بلده. ولقد خَلَّفَتْ لنا كل الحضارات الإنسانية مخطوطات، يمكن أن تكون بدايات لهذا الفن السردي. ففي كل حضارة، وعند كل أمة رحَّالون، ومغامرون. قيل إن كتاب (بوزانياس): (جولة في بلاد الإغريق) المؤثر الأول في (أدب الرحلة) وهو قد ظهر في القرن الثاني الميلادي، والحشد المعرفي لهذا الكتاب، لم يجعله المؤسس الأول لهذا الفن، بل جاء من بعده مؤرخون، وجغرافيون أسسوا لهذا اللون من السرديات، إذ خصوا (أدب الرحلة) بكتب مستقلة، لا تتسع إلا لما يدخل في هذا اللون من الأدب، حسب مفهومه الحديث، وفي القرن الرابع الميلادي تجلت التقاليد الأدبية (لأدب الرحلة)، كان ذلك على يد (كسينوفون) في كتابه (الأناباسيس) ، وميزة هذا العمل- كما يرويه المطلعون عليه- تتمثل في أمانة الوصف، واحترام القيم الفنية. والراصدون لهذا النوع السردي، الحفيون به، يتعقبونه في مظانه حتى العصر الحديث، يرصدون التحولات السردية والدلالية، ويؤرخون لهذا اللون، ولرجالاته، ويصفون فنياته وموضوعاته. ولما جاء عصر النهضة، وأصبح معه(أدب الرحلة) نوعاً أدبياً متميزاً، له سماته وخصائصه وطرائق أدائه، نهض في تكوينه الرحالة، والمكتشفون، والمستشرقون، والمناديب، وذوو السفارة: السياسية، والدينية، والعلمية.وساعدت وسائل المواصلات والاتصالات المتطورة على توسيع قواعده ومشمولاته. ومن ثم أصبح هذا اللون أدباً وعلماً في آن ، وتعددت فصائل المهتمين به والمستثمرين له، وكاد يختلط بـ(اليوميات) و(المذكرات) و(الذكريات) و(السيرة الذاتية). وفي خضم هذا الزخم، عرفت الآداب: (الأوروبية) و(العربية) عمالقة في (أدب الرحلة)، ومن تعقب ذلك عند من كتب عن (أدب الرحلة) عرفهم بأسمائهم، وبأعمالهم، وعرف الأهداف والدوافع والنتائج. فطائفة من الدارسين ذيلوا كتبهم بمسارد للرحالة ولكتبهم، ولمن سبق من الدارسين لهذا الفن. والرحلة وسيلة وليست غاية، ومن الرحالة من حركته الأطماع السياسية، أو الاقتصادية، أو الدينية، ومنهم من استهوته الرحلة وحب الاطلاع، وقلَّ أن ينفك التدوين عن الأهداف والنوايا والرغبات: السيئة أو الحسنة، ولكن (أدب الرحلة) حين يصاغ باقتدار ينفصل عن خصوص السبب إلى عموم الفائدة، فيكون العمل إبداعاً إنسانياً، تمتد إليه الأيدي دون النظر إلى الدوافع والرغبات. ولقد أومأ كثير من الدارسين إلى أنواع كثيرة في (أدب الرحلة) وإلى اهتمامات متعددة، جعلت هذا الأدب شيقاً ومفيداً، إنه أدب واقعي، يحمل رسائل معرفية، وإن كان ثمة إمتاع فإنما هو إضافة يوفرها تمكُّن الكاتب من لغته ومن فنيات السرد، هذا إذا استبعدنا (الرحلات السندبادية) ورحلات المغامرات التي تعتمد على الخيال، وقد تمتد إلى الخرافة أوالأسطورة. وهذا اللون لا يدخل فيما نحن بصدد الحديث عنه. ولأهمية (أدب الرحلة) فقد ألفت عنه كتب عدة تعمدت التأريخ لهذا اللون، أو التنظير له، أو الدراسة التطبيقية لبعض الرحالة ورحلاتهم. أعرف من هؤلاء (شوقي ضيف)، و(حسين نصار)، و(الحسن الشاهدي) ، و(حسني حسين)، و(علي مال الله)، و(جورج غريب)، و(حامد النساج) ، و(عواطف نواب). كل هؤلاء ومثلهم معهم، لم يكتبوا أدب رحلة، ولكنهم درسوا هذه الظاهرة، ونظَّروا وأرخوا لها، أو درسوا كتاباً في الرحلة دراسة تطبيقية. أما الرحَّالة الذين خلفوا للثقافة العربية والعالمية كتباً في الرحلة فأكثر من أن يُحصروا. وممن اشتهروا في هذا الفن في القديم (ابن حَوْقل)، و(المَقْدسي) و(المسعودي) و(البيروني) و(ابن جبير) و(ابن بطوطة) ومئات غيرهم. وفي العصر الحديث (الطهطاوي) و(الآلوسي) و(عبدالله فكري) و(الشدياق) و(البستاني) و(طه حسين) و(هيكل) و(حسين فوزي) و(أمين الريحاني) و(أنيس منصور)، وأهم من ذلك كله من كتب في رحلات الحج، ولكل واحد طرائقه، واهتماماته، ودوافعه. فمن متعمد للتسلية، ومن مهتم بالفائدة، ومن متحرر من كل القيود، ومن ملتزم محتشم، ومِنْ كاتب بلغة أدبية، ومِنْ كاتب بلغة علمية. أما على مستوى (أدب الرحلة) في المملكة العربية السعودية، فقد استوفى جانباً منه الأستاذ(عبدالله بن أحمد حامد آل حمادي) في رسالته الأكاديمية(أدب الرحلة في المملكة العربية السعودية)، وفيما يتعلق بأدب الرحلة عند [العبودي] فقد تقصاه الأستاذ(محمد بن عبدالله المشوح) في كتابه المطبوع حديثاً(عميد الرحالة محمد بن ناصر العبودي)، وممن كانت لهم كتب في(أدب الرحلة) من علماء المملكة العربية السعودية، وأدبائها، ومؤرخيها فهم: العلاَّمة(حمد الجاسر)، و(أحمد عبد الغفور عطار)، و(عاتق البلادي) و(عبدالعزيز الرفاعي) و(عبدالعزيز المسند) و(عبد القدوس الأنصاري) و(عبدالله بن خميس) و(علي حسن فدعق) و(فؤاد شاكر) و(محمد السديري) و(محمد عمر توفيق) و(يحيى المعلمي)، وآخرون.. وهؤلاء يتفاوتون في مستوياتهم واهتماماتهم، ولكنهم جميعاً لم يتميزوا بما كتبوا في أدب الرحلة، بمثل ما تميز به (العبودي) لا من حيث الكثرة العددية التي لم تُسْبق، ولا من حيث التقصي والشمول والتنوع، وقد يتفوق بَعْضُهم على بعض بأسلوبه، أو بتبويبه، أو بعمق ثقافته، أو بدقة معلوماته. و[العبودي] الذي استهل أعماله التأليفية بدراسة (الأمثال العامية في نجد) تَخَطى هذا الاهتمام، وسَبَح في معارف متعددة، فكتب في الأنساب، والجغرافيا، والدراسات القرآنية، والتراث، والمعاجم ، وطبعت له عدة مؤلفات في مختلف المعارف، وفي عِدَّة أجزاء، منها (معجم بلاد القصيم) و(أخبار أبي العيناء) و(الأمثال العامية في نجد) و(كتاب الثقلاء) و(نفحات من السكينة القرآنية) و(سوانح أدبية) و(صور ثقيلة) وله عشرات المعاجم، وبخاصة معاجم الأسر، ولقد كرمته [ثلوثية المشوح] بمناسبة بلوغ مؤلفاته المئتين. وهو فيها توثيقي ممحص، يضرب الأقوال ببعضها، حتى تنقدح له الحقيقة. فعل ذلك في معجمه الجغرافي عن القصيم. وهو معدود من الموسوعيين، وليس من ذوي الاختصاص، ولكنه حين يكتب في فن ينازع المتخصصين إمكانياتهم. ويكاد (أدب الرحلة) عنده يغطي كل جوانب حياته، وينسي المتابعين جهوده العلمية والعملية، وإسهاماته المتعددة في مجالات متنوعة. والذين يلتمسونه في حقل معرفي، لا يأتونه من أقطاره، إنه عالم متضلع من التراث العربي بكل تنوعاته العلمية والأدبية. وانقطاعه للتعلم والتعليم وملازمته لكبار العلماء، وعمله معهم، مكنه من التوفر على الكتب والمراجع التي لم تكن في متناول أنداده. ثم هو رجل إدارة حازم، تقلب في عدة مناصب تعليمية ودعوية، وجاء اهتمامه ب(أدب الرحلة) بعد أن لحق وظيفياً بـ(رابطة العالم الإسلامي)، ومكنه عمله الدعوي من الرحلات المتواصلة، والمهمات الرسمية المقيدة بأداء المهمة الدعوية على أصولها، وما فضل من جهد أو وقت قضاه في المشاهدات، وتقصي جوانب الحيوات المتعددة لشعوب العالم، وتفحص المعالم، والآثار، والمتاحف، والمناظر الطبيعية، وأحوال الشعوب، ودياناتهم ومستوياتهم الحضارية، والمدنية، والاقتصادية. وهو راصد دقيق بعيد عن المبالغة والإغراق في الخيال، وأدبية النص عنده من تلك الخلفية المعرفية في أدب التراث وعيون الشعر العربي، وقد فاقت مؤلفاته المطبوعة في الرحلة مائة كتاب، وله مثل ذلك في غير أدب الرحلة، وبخاصة المعاجم، وجل هذه الكتب تمثل (أدب الرحلة) بحيث لم يسبقه أحد في حجم ما كتب في هذا اللون،ومن أسباب تألقه في هذا المجال سفارته المتنقلة، وتوفير كل الوسائل له، وشغفه الذاتي بالرحلة، وحرصه على تدوين كل ما يعن له من مشاهدات وملاحظات. ولقد قال عن نفسه ما يدل على دقة الملاحظة عنده، حتى لكأنه (الجاحظ) في عنايته بأبسط الأشياءومن ثم تراه يحتفي بكل التفاصيل، فإذا أقيم حفل تكريمي استوفى فقراته، وإذا ألقي خطاب ساق مجمله، وإذا جلس على مائدة ذكر ألوان الطعام فيها، وإذا دخل سوقاً ذكر طرائق بيعهم، وطرائف تصرفاتهم. ولقد تجلت في كتاباته العفوية والبساطة والتقريرية والنمطية والاهتمام بكل دقيق وجليل، فهو بين إقلاع، واستواء، وهبوط، واستقبال، وتوديع، وجولات رسمية، ورحلات خلوية إلى أطراف المدن، لا تقتصر على المواقع الدعوية، وفئات الدعاة، والقضايا الدينية، وجولات راجلة يقتطعها من وقت راحته، يدخل الأسواق، ويختلط مع الباعة، ولا يتحرج من السؤال عن أي ظاهرة، ينقب عن الآثار، ويتفحص المتاحف، ويستعرض المكتبات. وكتاباته تتسم بالتسجيلية، وكأني به يرصد كل شيء في مذكرة محمولة في جيبه، حتى إذا خلا له المكان أعاد صياغة ما كتب والبسط فيه، ثم الدفع به إلى المطابع، لا ينظر إلا في ترتيب الأحداث والوقوعات، ومن ثم يحصل التكرار، وبخاصة عما يَعْرِض له من مواقف مُتكررة في المطارات والمطاعم والمساجد والأسواق. وإن كانت له إلماحات سريعة، يخلص بها من الرتابة والنمطية، وأكاد استبين محاور كتب الرحلات عنده، فهي تتحدث عن قضايا (الدعوة) و(الأقليات) و(الأجناس) و(اللغات) و(العادات) و(أحوال الشعوب) و(أطرافٍ من تاريخهم) و(جغرافية بلادهم) و(أنماط الحياة عندهم) و(الأزياء) و(تصميم المباني) و(أنواع المستعملات) و(أحوال النساء) و(عاداتهن) و(المأكولات) وكل ما يخطر على بالك، حتى (الفلكلور الشعبي) حتى (الغناء) و(المغنين) الذين لا يعنيه من أمرهم شيء، ولكنه إذ فرض عليه السماع أشار إلى شيء مما عندهم، وإن لم يهتم بالاستماع، وقد يشير إلى (الرَّقَصات الشعبية) وغيرها، ثم لا يجد حرجاً من التعرض لها على سبيل الوصف، وقد يُمْعِن في وصف النساء وأزيائهن ومُحادثاتهن ببراءة وعفة، ومع كل ذلك فإن المحرك الرئيس عنده هو هموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. ولأنه يمارس في رحلاته عملاً رسمياً فقد استوفى في كتبه تلك الأعمال، تحدث عن (الجمعيات) و(المنظمات) و(جماعات تحفيظ القرآن) و(إعداد الدعاة والأئمة)، كما فصل القول عن الاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات، وما دار فيها، وعن الكلمات التي ألقيت، وعن الترحيب الذي يلقاه، وعن المهمات التي أنجزها، ولا أشك أن نِثَار الآراء والأفكار والمواقف يُشكل خصوصية في أدائه السردي، ولكن كثرة أعماله، وتركيزه على قضايا الأقليات يُفَوِّت على المتابع الوقوف على اللمحات الكثيرة، أو بمعنى آخر الجوانب الأخرى التي لا تسمح مهماته الرسمية الوصول إليها، وقد يضيق المتابعون باحتفائه بالوقوعات العادية المتكررة في كل رحلة. وأسلوب الكاتب يَتَّسِمُ بالوضوح والسلامة، والميل إلى التقريرية، وأشواطه الدلالية تعتمد التجزيئية، وله استطرادات قصيرة - كما وصفه - أحد دارسيه. ولأن [أدب الرحلة] عنده واكب السفارة الرسمية، ومتابعة أحوال المسلمين والأقليات الإسلامية في آفاق المعمورة، فقد ارتبطت القضايا والموضوعات بذات الرسالة أو كادت، ومع أننا لا نُسلِّم بذلك على إطلاقه، إلا أننا نجد همه منصباً على قضايا المسلمين والأقليات منهم. بدأ العبودي الرحلة والكتابة فيها منذ خمسة عقود، وخلال هذه المدة طاف أرجاء المعمورة، ولم يتمكن غيره مما تمكن منه، فالذين كتبوا في (أدب الرحلة)، كتبوا عن رحلة امتدت شهراً أو شهرين لبلد سياحي أو دولة اقتصادية، أما هو فقد امتدت معه الرحلات أكثر من خمسين سنة، وأتت على ما أتى عليه الإسلام، حتى لقد أوغل في البلاد الشيوعية التي لم تكن تسمح بأي تحرك إسلامي، ولعل تسامحه، وبعد نظرته، ودفعه بالتي هي أحسن، ودعوته بالحكمة والموعظة الحسنة فتح له الحدود والقلوب، ولما يزل لا يحط من سفر إلا إلى سفر، ولاهتمامه بأدب الرحلة، فقد أعطى نفسه مزيداً من الجهد والوقت ليتعرف على كل شيء. لقد وقف على طبائع الدول، والمدن، وأهلها، وما فيها من أنهار، وجبال، وأودية، وأعراق، وعقائد وعادات، وما هي عليه من غنى وفقر، وما هو نظامها السياسي، كما تَقَصَّى مشاكل الأقليات، حتى لقد نيفت مؤلفاته في أدب الرحلة على مائة وعشرين كتاباً، ولقد شدني من كتبه أولها (أفريقيا الخضراء) الذي صدرت طبعته الأولى عام 1384هـ وكان الأوسع والأدق والألصق بأدب الرحلة، وهو فيما يكتب يعتمد العناوين الجانبية، فله مشاهدات تسجيلية، وملاحظات نقدية، وتساؤلات تعجبية، ومعلومات نقلية، ولا يكاد ينفك من الحديث عن الوسيلة من طائرة، أو سيارة، أو باخرة، أو قطار، أو سيارة أجرة، وقد يتحدث عمن يقود تلك الوسائط أو يخدم فيها. وحتى الحفلات، والاستراحات، والوجبات، والجلسات الخاصة، أو العملية، والفنادق، والمساجد، والمتاحف، والجمعيات. يفصل القول فيها، وقل أن يترك الرصد التاريخي والسياسي للدولة، أو المدينة التي يزورها، يتحدث عن نباتها وتصميم مبانيها وطبها الشعبي وعادات الزواج وشعائره والأعياد ومناسباتها، وملابس الرجال والنساء، وما لا يخطر للقارئ على بال. ويكاد يكون الحديث عن الإسلام والمسلمين محور الحديث في كل ما كتب في رحلاته، وهو حريص على اللطائف والمثيرات، يرصدها، وقد يبالغ في تعميق أثرها، وبالذات عند حديثه عن النكسات الاقتصادية، كقوله في كتابه (صلة الحديث عن أفريقيا) (الدجاجة بتيس والتيس ببقرة) فالعنوان لا يوحي بمضمونه، ولكنه يشوق إليه، وله نظرات ثاقبة في أحوال الشعوب وطبائعهم، حتى لكأنه موكل بكل دقيق وجليل في حياة من يرى، ويجالس، ويحادث. يقول في كتابه (غيانا وسورينام): (ومن أهم ما يميز الهنديات الأمريكيات عن الهنديات الآسيويات كثرة ابتسامهن للرجال،بساطة طباعهن، وإسراعهن إلى الاستجابة للحديث) ص96. وهو يخص المرأة بأكثر من إشارة، لها أكثر من معنى، وفوق ذلك فهو كثير التفصيل في وصف التحركات، ويكاد (أدب الرحلة) عنده يتحول إلى سيرة ذاتية في كثير من أحاديثه. وهو بهذا الاستطراد والتنويع يراوح بين (اليوميات) و(المذكرات) و(الخواطر) و(السيرة الذاتية) و(أدب الرحلة)، وقلّ أن يخلو أي كتاب من صور (فوتوغرافية) ملونة، يكون فيها بين مودعين، أو مستقبلين، أو مشاركين في رحلة برية أو مهمة رسمية، يصور الأنهار والجبال والأودية والمساجد والأسواق والآثار، وكل ما هو ملفت للنظر، وقل أن يخلو كتاب من حديث عن مسجد، يذكر بانيه ومصممه، وما فيه من زخارف، وقد يتحدث مع إمامه ومؤذنه، ويتعرف على ما يمارس فيه من البدع، إن كان ثمة بدع، وحين يَصْرفه المُرَافِقُ عن شيء من ذلك، يلح بطلب الوقوف على كل شيء، وإن كان لا يقره، بحيث يصرف المثبط بقوله: -(إنني أحب أن أطلع عليه فالاطلاع مهم في هذه الحالة التي ربما تكون فرصة ولو في المستقبل بتبصير هؤلاء المخرفين المنحرفين) ص88 من كتاب (في شرق الهند) وهو يوزع كتبه إلى مجاميع حسب القارات أو التكتلات السياسية (أفريقية) و(أوروبية) و(هندية) و(آسيوية) و(أمريكية جنوبية) و(بلقانية) و(أسترالية) و(روسية) و(سيبيرية) وكيف لا يصنفها إلى مجاميع جغرافية، وهي تنيف على المائة كتاب، وكل مجموعة تنيف على عشرة كتب، وأحسب أن (رحلاته الهندية) تفوق كل رحلاته، فهي تفوق العشرين كتاباً، طاف بها شرق الهند وشماله وبلاد الهند والسند، وهو يطلق على كتبه مسميات أخاذة، ففي رصده لرحلاته إلى (مولدوف وأرمينيا) يطلق عليها (مواطن إسلامية ضائعة) أو (تائه في تاهيتي) أو (من بلاد القرنشاي إلى بلاد القيرداي) أو (سطور من المنظور والمأثور عن بلاد التكرور)، وهو في اختيار العناوين وتركيب العبارات ذو أسجاع مستساغة. والعبودي من الكتّاب الذي يهتمون بتدوين المعلومات والملاحظات ما دق منها وما جلَّ، دون تكلف أسلوبي أو معاضلة تعبيرية، وما فيه من صياغة أدبية فصيحة فإنما هي قدرة ذاتية وكسبية، فالمؤلف عالم بالتراث، ومؤلف قبل أن يفرغ لأدب الرحلة، والمتابع لكتبه لا يقدر على تصنيفه لا جغرافياً ولا اجتماعياً، ولا سياسياً، ومن ثم فهو أقرب إلى الموسوعيين. والمؤلف متوفر على القيم العلمية والأدبية، ولكنه توفر عفوي، واللغة التي يعتمد عليها، ويتوسل بها لغة فصيحة سليمة، لا يعمد فيها إلى التزوير، ولا إلى التنقيح، ولكنه يكتب على سجيته، وكأنه يتحدث إليك، وذلك سر الإكثار وسر القبول، فلو كانت له عناية لغوية، أو أدبية، أو معرفية، لقل عمله، وانفض سامره. ومع العفوية فقد احتفظ بمستوى أدبي ولغوي ومعرفي يجعله في مصاف غيره من الرحالة. وإذ لا تقدر على تصنيفه من بين الرحالة فإنك لا تجد منهجية محددة، ولا خطة في التأليف صارمة، يدون ملاحظاته، ثم يعود إليها ليبسط القول فيها، وخطة الكتابة عنده مرتبطة بتنقلاته، ومنهجيته تراوح بين الوصف والتحليل والنقد والسرد الحكائي. وهو الراوي والبطل، وقل أن يتحدث بضمير الغائب، أو أن يدع لمتحدث آخر ليأخذ زمام المبادرة إلا ما يأتي من حوار. ومهما اختلفنا معه أو اتفقنا فإنه الرحالة المتمكن من آلياته، الشمولي في تناولاته، المضيف في معلوماته. لقد ترك للمكتبة العربية والعالمية وثائق معرفية متعددة، قلَّ أن تكون حاضرة المؤرخين أو الجغرافيين، وهو بما خلَّف من معارف، وأنجز من أعمال، وقام به من مهمات تعليمية ودعوية جدير بالتكريم. والاحتفاء به يعبر عن مشاعر العلماء والأدباء والقراء، فالعلامة معالي الشيخ [محمد بن ناصر العبودي] علم من أعلام التربية والتعليم ومن الدعاة المعتدلين ، ومن العلماء المتمكنين، ولما يزل ثر العطاء، تختزن ذاكرته مشاريع معرفية متعددة، وكتاباه في الأمثال والجغرافيا خير شاهد على توثيقه وتقصيه. ولمكانته العلمية والعملية وجهوده الدعوية تم تكريمه من قبل عدد من المؤسسات منها: [نادي القصيم الأدبي] و[ثلوثية المشوح] و[خميسية حمد الجاسر] و[المهرجان الوطني للثقافة والتراث] و[مركز ابن صالح] والدراسة التي أعدت لصالح [كرسي الأدب السعودي] بجامعة الإمام.وها نحن الآن نلتقي في القاهرة لنعيد قراءة ادب الرحلة والمعجمة والسرديات السيرية وغيرها عند العلامة الموضوعي، فلكافة المنظمين والممولين وافر الشكر وعظيم الإحترام. وقد كان لي شرف الحديث عن المحتفى به في كثير من تلك المؤسسات.
تم إضافته يوم السبت 29/03/2014 م - الموافق 28-5-1435 هـ الساعة 4:48 مساءً

شوهد 1112 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 3.51/10 (2856 صوت)



التقويم الهجري
4
شوال
1438 هـ

مقالات

في ذاكرة الأمكنة
 ابراهيم بن عبدالرحمن التركي

أدب الرحلة عند العبودي
د/ حسن بن فهد الهويمل

كلمات قضت
محمد بن عبدالله الحمدان

العبودي .. علوم وتنوع اهتمامات
 إبراهيم بن أحمد الصقعوب

إضاءة في خيمة الشيخ العبودي
د. عبدالله بن صالح الوشمي

الشيخ العبودي والرحلات بصبغة دعوية
 د.إبراهيم بن عبدالله السماري

العبودي.. ذاكرة لا تخطئ 
 عبدالعزيز المسند

أنيسهم و.. أنيسنا!
 صالح محمد الشيحي

محمد بن ناصر العبودي.. عُلماءٌ في علم
 عبدالعزيز الخويطر


بحث بالإنترنت

معاني الأسماء

أمثال
إن كنت كذوبا فكن ذكورا
يضرب للنهي عن الكذب.

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5


 

Copyright © 2008 www.alobody.net - All rights reserved

Design by marvksa